* قوله تعالى: {حَقًّا} يعني ثابتًا ثبوت نظر وتحصين، لا ثبوت فرض ووجوب؛ بدليل قوله: {عَلَى ?لْمُتَّقِينَ} ، وهذا يدلّ على كونه ندبًا؛ لأنه لو كان فرضًا لكان على جميع المسلمين، فلما خصّ الله من يتقي، أي يخاف تقصيرًا، دلّ على أنه غير لازم إلا فيما يتوقّع تلفه إن مات، فيلزمه فرضًا المبادرة بكتبه والوصية به؛ لأنه إن سكت عنه كان تضييعًا له وتقصيرًا منه.
تفسير المنار:
* إن القول بنسخ هذه الآية فيه نظر؛ لأن آية المواريث لا تعارضه، بل تؤكده، من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقًا.
* السياق ينافي النسخ، فإن الله تعالى إذا شرّع للناس حكمًا وعلم أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن قريب فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا من كونه حقًا على المتقين، ومن وعيد من بدله، وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إن الوصية في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث، بأن يخص القريب هنا بالممنوع من الإرث، ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران فله أن يوصي لهما بما يؤلف به قلوبهما.
* وجوّز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخص بها من يراه أحوج من الورثة، كأن يكون بعضهم غنيًا والبعض الآخر فقيرًا ... فالحكيم الخبير اللطيف بعباده، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه لا يحتم أن يساوي الغني الفقير، والقادر على الكسب ومن يعجز عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنهم سواسية في الحاجة كما أنهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصية مقدمًا على أمر الإرث، أو يجعل نفاذ هذا مشروطًا بنفاذ ذلك قبله، ويجعل الوالدين والأقربين في آية أخرى أولى بالوصية لهم من غيرهم، لعلمه سبحانه بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحيانًا، فقد قال في آيات الإرث من سورة النساء: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) ، فأطلق أمر الوصية، وقال في آية الوصية ما هو تفصيل لتلك.
* فمن بدله: أي بدل ما أوصى به الموصي، (بعد ما سمعه) من الموصي أو علم به علمًا صحيحًا.
كلام المهندس عدنان الرفاعي
* ورود التكليف الإلهي بصيغة المبني للمجهول (كُتب) يعني أن الكتابة أمر مشترك بين المكلِّف والمكلَّف، فهذا التكليف أمر مشترك بين الله تعالى والمؤمنين، الله يكلفهم وهم ينفذون، وهذه الآية هي خطاب من الله تعالى لجميع المؤمنين في كل مكان وزمان، ولا تخصّ جيلًا دون الآخر، وإن قولهم بأن حكم هذه الآية هو لبرهة من الزمن، هو قول مردود، فكلمات تتعلق بصفات الله تعالى وتنتمي لعالم الأمر الذي هو فوق الزمان والمكان، لا تحمل أحكامًا خاضعة لقوانين الزمان والمكان.
* ولو كانت الآية الكريمة هي خطاب لمن يحضره الموت بأن يُوصي وصية لكانت واجبة .. ولكنذلك يُنافي ما تحمله الآية من عدة وجوه:
1.لو كانت خاصة بالإرث لبين الله تعالى المقدار الواجب في هذه الوصية التي زعموا نسخها.
2.لو كانت الوصية منسوخة بالنسبة لمن يرث-كما ذهب إلى ذلك مقرّو الناسخ والمنسوخ- لوجب استثناء من يرث من الوصية الواردة في باقي الآيات الكريمة،التي تصور لنا الأخذ بوصية الميت قبل توزيع الإرث على الورثة .. وهذا الاستثناء لا نراه في كتاب الله تعالى:"فَلأُمِّهِالسُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ"،"ٌ فَلَكُمُالرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ"
"فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن"
"فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍيُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ".
فكما نرى لا يوجد اسثناء في الوصية.
* لو كانت الوصية خاصة بالإرث،والخطاب موجه لمنيحضره الموت حصرا،لاقتضى ذلك عدم سقوط حق الوالدين واللأقربين،حتى ولو لم يوص الموصي بذلك، كالدين يأخذه صاحبه سواء أوصى الميت بذلك أو لم يوص ... ولكن ما نراه في هذه الآية الكريمة أن الوصية ندب .. وأن الله تعالى اختص بها المتقين وحعلها حقا عليهم" [بالمعروف حقا على المتقين] "
(يُتْبَعُ)