وكان الغرض من إثارة تلك الأسئلة تحديد مدى تأثير عيسى، عليه السلام، في الساكنة الفلسطينية، والبحث في نسبة الأناجيل المدونة إليه. إذ كيف يمكن أن نتصور الإنجيل بصيغته الإغريقية إذا كان عيسى، عليه السلام، ألقى بشارته بالآرامية؟ وكيف نتصور إغريقية الإنجيل ونحن نعلم أن المسيح، عليه السلام، ما جاء لينقض الناموس، بل ليتممه، أي إنه بعث في سياق أنبياء بني إسرائيل، وفي سياق"العهد القديم"! وكيف نتصور كل ذلك حين نقرأ في كتب التاريخ أن فلسطين كانت في زمان عيسى، عليه السلام، خاضعة للحكم الروماني، مع ما يقتضيه ذلك الخضوع لزمن طويل من أن تصير اللغة اللاتينية هي لغة الغالبية من الناس.
يجمع الباحثون على أن فلسطين زمن بعثة عيسى، عليه السلام، كانت بمثابة لوحة فسيفسائية، كَوَّن سكانها خليطًا من كل أمة ولسان، وكانوا يتكلمون بدرجات متفاوتة، العبرانية، والآرامية بلهجاتها، والإغريقية واللاتينية. ولكن الاختلاف يقوم بين هؤلاء الباحثين حين يسعون إلى تلمس الحدود الجغرافية لكل واحدة من تلك اللغات، وحين يريدون حصر الخصائص المميزة لتلك اللغات وتحديد نسبة تأثر بعضها ببعض.
إن فرضية بلاغ عيسى، عليه السلام، بالإغريقية دافع عنها فوسيوس Vossius هنريش باولوس Heinrich Paulus وهوغ Hug في القرن التاسع عشر، وقد عرض آراء هؤلاء دييز ماتشو Diez Macho في بحثه عن اللغة التي تحدث بها عيسى المسيح. ولقد عزز موقف هؤلاء ما ثبت من خضوع فلسطين في تلك الآونة للتأثير الهليني.
ولكن الجدال انبعث حين أعلن أرجيل W. argyle أن عيسى، عليه السلام، كان يتحدث الإغريقية، وأن مستمعيه لم يكونوا يفهمون إلا الآرامية (2) .
وإذا كان بعض الباحثين أمثال Russel J.K & R. Drapper قد تقبلوا هذا الزعم، فإن آخرين أمثال Mel Wilson عارضوه بشدة (3) ، ولكنهم متفقون جميعًا على قوة تأثير الهلينية في فلسطين زمن بعثة المسيح، عليه السلام. ومرد هذا الاتفاق أن عددًا كبيرًا من المكتوبات والنقوش التي عثر عليها هناك كتبت بالإغريقية، كما أن نتفًا من وثائق البحر الميت كتبت بتلك اللغة. ويدخل ضمن هذا التأثير الهليني ما يمكن ملاحظته من تأثيرات إغريقية في الأدب الربي، ومن شيوع ترجمات إغريقية للتوارة في القرن الثاني الميلادي.
وأبرزت دراسات ليبرمان. وسونتز. وميليك. . وغودناف. وغوندراي وسفنستر J. وسبيربير مظاهر متنوعة من التأثير الإغريقي في فلسطين في تلك المرحلة، وساعدت على تحديد مدى انتشار اللغة والثقافة الهلينية في فلسطين.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن اليهودية قاومت الهلينية في بعض المناطق، وأن الحواضر كانت أكثر هلينية من البوادي، ثم تغير الأمر بعد القومة اليهودية الثانية (135 ميلادية) حين تعاظم تيار الهلينية والرومانية (4) .
أما اللاتينية، فقد ذكرنا أنها كانت لغة الغالب المحتل، وكانت لغة الإدارة هي الرومانية (5) التي تركت بصماتها في بعض المكتوبات وإهداءات المباني والمحلات العمومية، وبعض البرديات التي تم العثور عليها في البحر الميت. وبرز تأثير اللاتينية في اللغة العبرانية في مواضع ذات دلالة هامة.
أما الآرامية، فلا أحد يشك في انتشارها في الجهة السورية ـ الفلسطينية، ابتداء من النصف الأول من الألفية الأولى قبل الميلاد، واستمر انتشارها في المنطقة كـ Lingua Franca في القرن السابع الميلادي.
لقد استبدل سكان فلسطين آنذاك العبرانية بالآرامية في الفترة من 721 إلى 500 قبل الميلاد، كما شاع بين الدارسين أن عيسى، عليه السلام، كان يعرف الآرامية، وأن تلاميذه ومعاصريه كانوا يتحدثونها ويكتبونها، وأن المسيحية انتشرت في فلسطين وسوريا وكل منطقة ميزوبوتاميا اعتمادًا على هذه اللغة السامية.
ويرى A. Meyer أن لغة عيسى كانت الآرامية، وأن جانبًا كبيرًا من الكتابات كتبت في الأصل بهذه اللغة، ثم ترجمت بعد ذلك (6) .
ونجد من بين الباحثين من يؤكد شيوع اللغة الآرامية بين الطبقات الشعبية زمن عيسى، وأن هذه اللغة هي التي تحدث بها المسيح وغيره من الرسل (7) . ويؤكد باحثون آخرون على أن الآرامية حلت محل العبرانية منذ بداية المرحلة الهلينية (8) .
(يُتْبَعُ)