فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4911 من 53113

ففي المدغم يزول الحرف بالكلّية ذاتًا وصفةً بحيث لا يبقى له أثر إلاّ في الإدغام الناقص فإنّ صفة الحرف المدغم تبقى لذا لم يكتمل التشديد وقد جعله بعض القدامى في باب الإخفاء وأنكروا أن يكون إدغامًا إذ لو كان إدغامًا لذهبت الغنّة ولااستكمل التشديد في المدغم فيه وهو قول ابن باذش في الإقناع (1/ 252) وابن مجاهد (كتاب السبعة ص646) .

وفي الإظهار لا يزول الحرف مطلقًا بل يبقى ذاته وصفته وهذا لا يحتاج إلى تفصيل.

وأمّا الإخفاء فإنّ ذات الحرف يزول مع بقاء صفته. فلذلك كان في منزلةٍ بين الإظهار والإدغام لأنّ في الإدغام يزول بالكلّية وفي الإظهار بيقى بالكليّة وفي الإخفاء ذهب الذات وبقي الوصف لذا كان بينهما. ومن المعلوم أيضًا أنّ للنون مخرج عضويٌّ وهو طرف اللسان مع الحنك الأعلى ومخرج خيشومي وهو مخرج الغنّة وللميم كذلك مخرج عضويٌّ وهو ما بين الشفتين ومخرج خيشومي وهو مخرج الغنّة. ففي حالة إخفاء النون ينفصل طرف اللسان عن الحنك الأعلى فتزول ذات النون بزوال مخرجها العضوي ويبقى صوت الغنّة الذي هو المخرج الخيشومي وهذا يتحقق أيضًا في الإدغام الناقص وذلك عند إدغام النون الساكنة والتنوين في الواو والياء حيث ينفصل طرف اللسان من الحنك ويدغم في الواو أوالياء مع بقاء الغنّة ففي كلا الحالتين -أي الإخفاء والإدغام الناقص - ينفصل طرف اللسان من الحنك مع بقاء صفة الغنّة فلذلك لم أفهم لماذا قام الأخ أبو عمار بتقييد زوال النون ذات بالإدغام دون الإخفاء. ومما يؤكّد ذلك قول مكيّ القيسي (ت437) "فتذهب النون عند الإخفاء وتبقى الغنّة من الخياشيم ظاهرة اهـ" (الرعاية ص267) . وهذا دليل على زوال ذات النون المخفاة وبقاء غنّتها كما ذكر الإمام القرطبي رحمه الله. وقال أبو عمرو الداني:"فأخفيا - أي النون الساكنة والتنوين - فصارا عندهنّ لا مظهرتين ولا مدغمتين، وغنّتهما مع ذلك باقية ومخرجهما من الخيشوم خاصّة، ولا عمل للسان فيهما ... '"التحديد ص115

لذلك قال المرعشي"أقول: فليس بين العين والكاف في {عنك} إلاّ غنّة مجرّدة. والإظهار إبقاء ذات الحرف وصفته معًا، والإدغام التام إذهابهما معًا، فالإخفاء حالة بينهما ..." (جهد المقلّ ص203) .

فمن خلال هذه النصوص يتبيّن جليًا أنّ النون تزول عند الإخفاء فلا يبقى منها إلاّ الغنّة المجرّدة وسبب ذلك هو انفصال طرف اللسان عن الحنك الأعلى إذ لا عمل للسان في الإخفاء. وأمّا الإدغام فيزول الحرف بالكلّية إلاّ في الإدغام الناقص الذي أدخله بعض القدامى مع الإخفاء.

وعلى ما تقدّم فمراد الإمام القرطبي من أنّ النون قد تزول فلا يبقى منها إلاّ الغنّة هي النون المخفاة ويمكن إدراج الإدغام الناقص لما بينهما من التشابه حيث هناك من لم يفرّق بينهما كما سبق.

وفي جميع الكتب القديمة والمعتمدة التي اطلعت عليها ككتاب الرعاية لمكي القيسي والموضح للقرطبي والتمهيد للهمذاني والتحديد للداني والتمهيد وشروح المقدّمة لابن الجزري وغيرها لم أجد من وصف بأنّ الميم المخفاة تزول كما وصفت النون المخفاة بالزوال لذا صرّح القرطبي بعدم زوالها مطلقًا. وسبب زوال النون كما سبق هو انفراج طرف اللسان عن الحنك. فلو كان انفراج الشفتين في إخفاء الميم صحيحًا لوصفت الميم المخفاة بالزوال كما وصفت النون المخفاة.

والذي يظهر جليًا أنّ الميم المخفاة لا تزول وعليه فلا انفراج للشفتين عند إخفاء الميم بل لا بدّ من أطباقهما بلطف مع إظهار الغنّة وهذا لا يعارض كون الإخفاء بين الإظهار والإدغام وذلك لأنّ في الإدغام لا بدّ من تشديد المدغم فيه وفي الإظهار كزّ الشفتين بغير غنّة وفي الإخفاء أطباق الشفتين بلطف مع خروج الغنّة فهي بين الإدغام والإظهار وهو الموافق للنصوص والمتلقّى بالسند إلى النبيّ صلى الله عليه وسلّم حيث لا يُعلم قبل وقت الشيخ عامر السيّد عثمان رحمه الله أنّ واحدًا على وجه الأرض قرأ باانفراج الشفتين.

أمّا قول أبي عمّار حفظه الله"فلا يظهر الحرف تامًّا ولا يزول بل بينهما". أقول: يبدو أنه لم يفهم مراد القرطبي بزوال النون. فالمراد من ذلك هو زوال ذات الحرف وبقاء الغنّة وليس زوال النون بالكلّية كما في الإدغام ولا إبقاء الذات والصفة معًا كما في الإظهار فهي منزل بينهما وهو زوال الذات وبقاء الصفة.

وأريد أن أطرح سؤال على من يقرأ بالفرجة في الإخفاء الشفوي والإقلاب والسؤال هو:

لو أخْفَيْنَا مثلًا النون عند الباء من غير إقلاب نحو {من بعد} فنقرأ بالإخفاء النون مباشرة من غير إقلابها ميمًا، فلا شكّ أنّ في هذه الحالة تكون الشفتين في حالة انفراج كما هو الحال في إخفاء النون عند الحروف الأخرى. فلو كان انفراج الشفتين صحيحًا عند الإقلاب كما هو الحال عند إخفاء النون بدون القلب فما الفائدة من الإقلاب إذ الشفتين تنفرجان في كلتا الحالتين. فأقول أنّ للتفريق بين الحالتين لا بدّ من إطباق الشفتين عند القلب وإلاّ فلا فائدة من الإقلاب فنكتفي فالإخفاء من غير قلب.

هذا ما أردتّ قوله جوابًا على أخي أبي عمّار أسأل الله تعالى أن يوفّقنا لمعرفة الحقّ واتّباعه ونعوذ بالله من التعصّب والعناد والفُرقة بين أهل القرءان خاصّة وبين المسلمين عامّة وأسأله أن يجمعنا جميعًا في مستقرّ رحمته يوم نلقاه وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

محمد يحي شريف الجزائري.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت