ومن نفائس أهل اللغة في التفسير هذه المقتطفات من كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد من تأليف أبي العباس المبرد المتوفى سنة 285 هـ.
(ومن ذلك [أي: من المتفق لفظه المختلف معناه] المُقوي للقوي والضعيف، قال الله تعالى:(وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) (الواقعة: من الآية73) أي: الضعفاء؛ تقول العرب: أكثِر من فلان فإنه مقوٍ، أي: ذو إبل قويّة.
ومن ذلك الرجاء؛ يكون في معنى الخوف .... قال المفسرون في قوله تعالى: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (نوح:13) أي: لا تخافون لله عظمة.وكلُ من آثر أن يقول ما يحتمل معنيين فواجب عليه أن يضع ما يقصد له دليلًا ? لأن الكلام وضع للفائدة والبيان.
ومما اتفق لفظه واختلف معناه قوله تعالى: (إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (البقرة: من الآية78) هذا لمن شك؛ ثم قال: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ) (البقرة: من الآية46) فهذا يقين؛ لأنهم لو لم يكونوا مستيقنين لكانوا ضلالًا شكاكًا في توحيد الله تعالى.
ومثله في اليقين قول المؤمن: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) (الحاقة:20) ? أي: أيقنت.
ومثله قوله تعالى: (فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا) (الكهف: من الآية53) أي: أيقنوا
ومما جاء متفق اللفظ مختلف المعنى: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) (الرحمن:39) ? ومثله: (هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ) (المرسلات:35) ثم قال: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) (الصافات:24) فليس هذا ناقضًا للخبر الأول عن ذلك.
وكان مجاز قوله: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ) أي: لا يسأل عن ذنبه ليُعلمَ ذلك من قبله؛ والدليل عليه قوله تعالى: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ) (الرحمن: من الآية41) وقوله: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ) يقول: موبّخُون؛ كما يقول المعاقِب للمعاقَب: ألست الفاعل كذا؟ أتذكر يوم كذا؟ أما فعلت كذا؟ ليس ذلك ليعلم ذلك من قبله؛ ولكن لتوبيخه بما فعل. ... ) إلخ
والكتاب على اختصاره مشتمل على أقوال وفوائد تفسيرية طيبة مباركة ? يجدر بالباحثين الرجوع إليها ? والإفادة منها.
والكتاب يقع في ثمان وستين صفحة مع المقدمة والفهارس والحواشي بتحقيق الدكتور محمد رضوان الداية. الطبعة الأولى عن دار البشائر - دمشق
ـ [أبومجاهدالعبيدي] ــــــــ [29 Apr 2003, 02:04 م] ـ
بسم الله
ومن أقوال أهل اللغة في التفسير أيضًا هذه المقتطفات من أقوال أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني المتوفى سنة 255هـ من كتابه:كتاب الأضداد:
(قال أبو حاتم: اجتمعت العرب على أن ندّ الشيء مثلُه وشبهه وعدله، ولا أعلمهم اختلفوا في ذلك.
قال لبيد:
أحمد الله فلا ند له بيديه الخير ما شاء فعل
والجمع أنداد. قال الله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادًا.
ومن ذلك [أي: من الأضداد] وراء؛ تكون في معنى: خلف، ومعنى: قدام. ففي القرآن في معنى بعد وخلف قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) (هود: من الآية71) قال أبو حاتم في الحديث عن وراء أن وراء ها هنا ولد الولد. وقوله تعالى: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي) (مريم:5) والموالي هم بنو العم. ...
وفي القرآن في معنى قدام قوله تعالى: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) (الكهف: من الآية79) يعني: قدامهم وأمامهم. قال أبو حاتم: حدثني أبو عامر العقدي ويعقوب القارئ، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أن ابن عباس قرأ: {وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا} .
وقال تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) (ابراهيم: من الآية17) أي: من بين يديه، وهو كثير في القرآن.
وقالوا: عسى شكٌّ، وعسى يقين. وهي من الله يقين. ويروى في الحديث في تفسير قوله تعالى: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (التوبة: من الآية102) عسى من الله واجب. ومن الشك قول الشاعر:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب.
قال أبو حاتم: يقال: صار فلانٌ الشيء قطعه، وصاره جمعه. وقال في هذه الآية: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) (البقرة: من الآية260) أي: قطعهن واجمعهن في التفسير. قال أبو حاتم: قال مجاهد: أراد فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن: فقدم وأخر. .... ) انتهى المراد نقله.
ويظهر من هذا الكتاب أن أبا حاتم رحمه الله يتورع عن الكلام في التفسير ويتقيه مخافة الخطأ والزلل، كما يظهر أنه كثيرًا ما ينقل عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ويتعقبه في مواضع متعددة.
وأحسب أن أقوال هذا الإمام في التفسير جديرة بالجمع والدراسة، وهي تصلح لتكون موضوعًا لرسالة ماجستير؛ فله كتب كثيرة بين المطبوعة والمخطوطة. والله أعلم
(يُتْبَعُ)