الشرط الثالث: أن تكون قبل حلول الأجل، أن تكون من قريب واعلموا أيها المسلمون والمسلمات أن الأجل الذي يغلق عنده باب التوبة ولا تصعد حينه توبة التائبين ولا إستغفار المستغفرين من المذنبين أجلان أجل خاص وأجل عام: أما الأجل الخاص فهو حشرجة الروح في الحلقوم حين تغرغر الروح وهو الإحتضار قال صلى الله عليه وسلم «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» وذلكم يا عباد الله من المسلمين والمسلمات لإنه حينئذ يعاين مقعده إن كان من أهل الجنة أو أهل النار، فإن كان من الأبرار والأخيار والصلاح والمتقين يرى مقعده من الجنة، وإن كان من الفجار والأشقياء وأهل التعاسة يرى مقعده من النار، فكل من الأبرار والفجار يرى مقعده فلا تنفع التوبة حينئذ لأن من مات على الصلاح والتقوى والبر والإحسان وأعظم ذلك توحيد الله ثم سائر فرائضه العملية لقي الله على خير ما يلقاه به عباده، وإن كان من الأشقياء واعظم الشقاوة الشرك بالله عز وجل فإنه يلقى الله على شر ما يلقى به عباد ربهم نسأل الله لنا ولكم العافية في الدين والدنيا والآخرة.
وأما الأجل العام الذي يقع على عموم الأمة هو طلوع الشمس من مغربها فإذا طلعة الشمس من مغربها فلا توبة قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» ، لكن من كانت له أعمال صالحة، من كان من أهل الصلاح يجري له كل عمل صالح يعمله ومن برهان ذلكم قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها» .
الشرط الرابع: العزم على عدم العودة يعزم عزمًا أكيدًا صادقًا لله انه لا يعود إلى ذلكم الذنب الذي أذنبه ورجع منه إلى الله عز وجل وتاب إلى الله منه.
الشرط الخامس: الإقلاع عن الذنب بالكلية فإن من تاب إلى الله توبة نصوحًا وقد أقلع عن الذنب فهو تائب إلى الله حقًا، نائل محبة الله إن شاء الله تعالى. ومن تاب واستغفر وهو على الذنب يقارف الذنب فليس ذلكم يا عباد الله من المسلمين والمسلمات بتواب بل هو لعاب كذاب.
الشرط السادس: الندم يستشعر الندم على ما فرط في جنب الله سبحانه وتعالى ويستشعر الإنكسار والذل لله سبحانه وتعالى كما يستشعر كذلك شكر الله أن منّ الله عليه بالتوبة وجعل رحمة منه ونعمة تداركه حتى لا يموت على ذنبه، تفضل الله سبحانه وتعالى عليه أولًا أن هداه إلى التوبة وتفضل عليه ثانيًا بتبديل سيئاته إلى حسنات وتفضل عليه ثالثًا بالإستقامة على ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه وجنبه ما يسخطه ويأباه، هذه نعم عظيمة عليه من الله سبحانه وتعالى هذه أيها المؤمنون والمؤمنات الشروط الستة، هي شروط عامة يشتركُ فيها التوبة بالحق من التقصير بحق الله والتوبة من التقصير في حق المخلوقين أقول هذه الشروط الستة شروط عامة سواءًا كانت التوبة مما يتعلق بالله أو ما يتعلق بحقوق المخلوقين.
وتزيد حقوق المخلوقين شرطًا سابعًا لابد منه وذلكم أيها المسلمون والمسلمات أن حقوق الخلق مبنية على الضمان والمقاصة فالقاعدة التي قررها العلماء والأئمة وهي قاعدة مستنبطة من كتاب ربنا وسنة نبينا أن حقوق الله مبنية على العفو والمسامحة منه عز وجل ولهذا تكفي منها التوبة وإن كان الذنب شركًا أو كفرًا كل ذنب يتوب العبد إلى الله منه التوبة النصوح هو مقبول عند الله سبحانه وتعالى مقبول التوبة مغفورًا ذلكم الذنب وحقوق الخلق مبنية على الضمان والمشاحة يعني لابد من أدائها فلا تكفرها التوبة. إذًا ما الذي تزيد به حقوق الخلق؟
ما الشرط السابع؟ هو رد المظالم إلى أهلها، فيجب على من كان عنده مظلمة لأحد من عباد الله أن يردها إلى صاحبها ويتحلل منه إن أستطاع السبيل إلى ذلك سواءًا كانت المظلمة مالية أو من الأعراض قال صلى الله عليه وسلم: «لتؤدنّ الحقوق إلى أهلها قبل أن لا يكون دينارًا ولا درهم» ، وأخبر صلى الله عليه وسلم «أنه يقتص من جميع الخلائق، يقتص الله عز وجل من الظالم للمظلوم حتى أنه لا تقاد الشاة الجلحى من القرنى» "القرنى ذات القرون والجلحى تسمى الجمى التي لا قرون لها"فإنه مما هو معروف ومعلوم حسًا ومشاهدة أن ذات القرون القرنى تغلب الجمى إذا نطحتها يوم القيامة تقتص للجلحى من القرنى فيقال للجلحى إنطحيها كما نطحتك، وأخبر عليه الصلاة والسلام: «أنه لا يدخل أحد الجنة وعليه مظلمة لأحد من أهل النار وأنه لا يدخل النار أحدًا من أهل النار عليه مظلمة لأحد من أهل الجنة» والنصوص في ذلك أيها المؤمنون والمؤمنات إن لم تكن متواترة عن نبينا صلى الله عليه وسلم فهي مستفيضة، فلا تتهاونوا في المظالم، تحللوا منها وردوها إلى أهلها فإنه يوم القيامة لا دينار ولا درهم وإنما الحسنات والسيئات.
وفق الله الجميع لما فيه مرضاته وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.