فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4854 من 53113

وقد يركن أيضا لتخاريف العقل وأضاليله ظنا منه أن العقل قوة قد تغنيه عن الله وكما قال تعالى في قوم من هؤلاء {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} وهذه أدهى وأمر من سابقتيها , إذ العقل مرتبط بطبيعة النفوس من صلاح أو فجور , والنفوس مرتبطة بالإيمان باعتبار التزكية الإيمانية للنفس , وانتفاء الإيمان انتفاء التزكية وانتفاء هذه الأخيرة يعني رجوع النفس لطبيعتها - بظلمها وفجورها وأهواءها - والعلم بيد هذه النفوس وبال على الإنسانية وشقاء , ويصير الجهل حينئذ غاية تنشد ومطلب يرام.

وفي موضع آخر من القرآن يعرض الحق سبحانه دور هذه المركزية - مركزية الإيمان - في تقوية النفس وشد العزيمة وتثبيت الأقدام , يعرض الحق سبحانه دورها في رفع قدرات النفس وطاقاتها لفوق مستواها حين تتصل بالله , ففي قصة موسى يذكر تعالى {ويا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} وهنا تنكشف طبيعة صلة قوم موسى بالله ومدى رسوخها وثباتها في نفوسهم , فإذا بها ضعيفة واهية وإذا بهم منفصلون عن هذه المركزية ,فأفضى بهم هذا الأمر إلى الجبن والخوف {قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} وهنا يعرض الحق سبحانه صورة إيمانية تقابل هذه الصورة فجاء وصف من استعلج عودهم بالإيمان وثبتت أقدامهم بالتقوى وقويت نفوسهم بصدق الصلة بالله {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} , لكن مركزية الإيمان إذا انتفت من القلب عمي ذلك القلب وبقي صاحبه يتكفأ كالذي يتخبطه الشيطان من المس {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} وهنا يلوذ موسى بإيمانه وربه {قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} , فماذا كانت نتيجة الانفصال عن مركزية الإيمان؟؟؟

نتيجتها التيه والعماءة {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} .

وهكذا في كل من ينفصل عن مركزية الإيمان على صعيد الفرد أو المجتمع أو حتى الأمة يفضي هذا الانفصال آخر ما يفض لاضطراب وتعثّر بمجريات الحياة , وقد يختلف انعكاس هذا الاضطراب من حيث الكيفية , فهو في الطفل بكاء وهو في البالغين سوء تدبير ووقوع في الخطأ وتخبط لكنه - من حيث أصل العلة- واحد , وهي ضعف الإنسان , وحاجته الملحة لمركزية يقوي بها ضعفه.

وهذا الشعور هو ما أبكى الطفل حين انفصل عن أمه , وهذا ما زلزل النفوس وأربكها عند الكبار فاضطربت حين انفصلت عن الله فبقيت ضعيفة تتحسس من الحياة مواطن القوة فلا تجدها , وإن وجدت ما تصانع به نفسها أنه قوة , فهي مؤمنة في قرارة نفسها- شاءت أم أبت- أن حقيقة القوة التي يعوّل عليها في الحياة لا يمكن أن تكون سوى التقوى وحسن الصلة بالله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت