فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 196

إن الحياة لا بد فيها من عزيمة صادقة تصدع غوائل الهوى وتردع هواجس الشر وتبطش بالهوى الكذوب وتنطلق بالإنسان إلى حيث العلو والسمو وأي عزيمة أصدق بل أي نظام أحكم من أن ترى المؤمن يمسك زمام نفسه من أن تذل لشهوة، أو تنجرف في تيار الهوى الضال أو تنجرف عن أمانة الكلمة وصدق اللسان وصفاء الجنان، وأي نفس أكرم من النفس المتجهة إلى خالقها الممسكة عن هواها تقربًا إلى الله. إلا ما أروع التسليم في الصوم حين يجوع الصائم ويظمأ وأسباب الغذاء والري أمامه ميسرة لولا طاعة الله وخشيته والرغبة في الثواب والرهبة من العقاب وشتان شتان ما بين صوم تمليه العادة، وصوم تسري فيه روح العبادة، وشتان شتان ما بين صوم يتعدى فيه الصائم حدوده وصوم يلتزم فيه حدوده ذاك سببه مداراة الناس، وهذا دافعه مراقبة رب الناس، ذاك لا يهذب نفسًا ولا يعصم لسانًا ولا يربي خلقًا.

هذا ينتج الفضائل كلها ويرفع النفس إلى عليين.

ذاك صوم يطلق فيه العنان للسان ينهش أعراض الناس ويفسد فيما بينهم ويأكل لحومهم.

وهذا صوم ينطلق فيه اللسان على سجيته مهللًا مسبحًا ذاكرًا حامدًا مصليًا داعيًا فلا تسمع إلا أنين المستغفرين وحنين المذنبين ورنين المناجين فاتقوا الله يا من تصومون عن الأكل والشرب والجماع وتفطرون على لحوم الناس وأعراضهم اتقوا الله فالحساب عسير ويوم الحشر طويل والعرق سيلجمكم إلى الآذان، ويومذاك لا ينفع نفسًا إلا ما علمت وقدمت ذلك يوم التغابن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت