الصفحة 52 من 56

السعودية السنية والعربية، وإيران الشيعية والفارسية، و (3) الأزمة الناتجة عن تشكيل الدول القومية المصطنعة في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى».

أما الأزمتين الثانية والثالثة فمن شأنهما أن تفرزا، مع طول الأمد، صراعا جديدا على مفهوم الأمة. والثابت أنه ما من دولة عربية لم يحتدم فيها الصراع على تشكيل الهوية الوطنية منذ مائة سنة وإلى يومنا هذا. ومع ذلك فلم تستقر أبدا. ولأنه: «عادة ما تكون الهويات الوطنية واحدة فقط من بين هويات متعددة» ، إلا أنه «لا يوجد أي تناقض بين تحديد هويتك كمسلم سُني، أو عضو في قبيلة، أو مواطن عربي، أو أردني، أو أستاذ جامعي، ... مع وجود أولوية لكل مكوّن من مكونات الهوية في أوقات مختلفة ولأسباب مختلفة؛ وبالتالي، فلا عجب أنّ الانتفاضات العربية الأخيرة كانت وطنية وعابرة للحدود الوطنية ومحلية وإقليمية أيضًا» . هذا ما لاحظه Lynch في مقالته: «إعادة التفكير في مفهوم الأمة في الشرق الأوسط [1] - 2/ 6/2015» . وزاد على ذلك بالإشارة إلى أن: «صعود ما يُسمى بتنظيم الدولة الإسلامية لم يكن هو الذي أدى إلى امتداد ومحو الحدود السورية العراقية» ، بقدر ما: «مَنحَ الحشد الشعبي المتزامن وغير المسبوق عبر الحدود، خلال الانتفاضات العربية في بداية عام 2011، شكلًا قويًا لنموذج المجتمع السياسي العربي العابر للحدود، الذي يحل محل حدود الدول القومية» .

ثمة حكمة تقول بأنه لا يمكن تعريف العاصفة إلا بما تخلفه من آثار. ولعلها التعبير الأصدق عن حالة الدولة العربية، التي غدت في مهب الريح. ذلك ما يلخصه تقرير Kevin Connolly [2] في الـ «BBC» السابق

الإشارة إليه. ففيه نختم هذا المحور، حيث يقول:

«عندما انهار النظام القديم في الشرق الأوسط آخر مرة، بدا واضحا من الذي ينبغي دعوته لبناء نظام جديد. وبينما كانت الإمبراطورية التركية في المنطقة تتفتت نتيجة تعرضها للعواصف الصحراوية التي أثارتها الحرب العظمى، كانت بريطانيا وفرنسا لا تزالان قوى إمبريالية كبرى ... ومع هزيمة الأتراك ... كان هناك عالم جديد ينتظر أن تتم صناعته. وشرعت بريطانيا، المكلفة من قبل عصبة الأمم بحكم الأرض المقدسة، بتحقيق التزامها تجاه يهود العالم ببناء وطن قومي لهم في فلسطين، من دون أن تخمن حينها ربما أن القضايا المحيطة بذلك الوعد ستظل مصدرًا قويًا للعنف والفتنة إلى ما بعد قرن من الزمن. وكانت تلك لحظة اضطراب عالمي كارثي، وتم تشكيل دول جديدة تشبه الجزر التي تنثرها البراكين الكامنة تحت البحر ... وفي عصر الإمبراطوريات ذاك، لم يشكك أحد فيما إذا كان من حق الأوروبيين رسم حدود جديدة للعالم القديم، أو على الأقل، لم يشكك في ذلك أحد ممن كان الأوروبيون على استعداد للاستماع إليهم .. وقد استمر النظام القديم لما يقرب من 100 سنة بالضبط، ويتساءل المرء هنا ما إذا كان هذا الوقت أكثر أو أقل مما خطط له مهندسو سايكس- بيكو ... من الصعب أن نعرف على وجه اليقين أي نوع من الشرق الأوسط سوف يظهر في نهاية المطاف من خلال هذه العواصف الصحراوية الراهنة، ولكن بات من الواضح أن واحدة من أقوى الرياح التي تهب في المنطقة قادمة من إيران» . وكما يقول كل من PETER HARLING و SARAH BIRKE في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت