الصفحة 43 من 56

حتى الكاتب لم يخف فزعه من التقرير. فأيد: «الحجة القائلة بأن الولايات المتحدة لابد أن تعيد ترتيب بيتها من الداخل، اقتصاديا، وماديا، واجتماعيا، وسياسيا، إذا كان لها أن تحظى بالموارد اللازمة لتعزيز النظام في العالم» . لكن عقلية الهيمنة لم تفارقه في خاتمة مقالته: حيث «ينبغي للجميع أن يأملوا أن تتمكن من تحقيق هذه الغاية بالفعل: فالبديل لعالم تقوده الولايات المتحدة ليس عالم تقوده الصين، أو أوروبا، أو روسيا، أو اليابان، أو الهند، أو أي دولة أخرى، بل إنه عالم بلا قيادة على الإطلاق. ويكاد يكون من المؤكد أن هذا العالم سوف يتسم على الأرجح بالأزمات المزمنة والصراع. ولن يكون هذا سيئًا بالنسبة للأميركيين فحسب، بل وأيضًا للغالبية العظمى من سكان كوكب الأرض» .

لكن من يطلع على مقالة Dominique Moisi القادمة من العاصمة البولندية - وارسو: «ترميم النظام العالمي [1] - 29/ 6/2015» يشعر وكأنها رد على تقرير «سترانفور» . وربما هي كذلك فعلا. ففي ضوء الأزمة الأوكرانية، سطر الكاتب أول الفقرات بالقول: «بينما تستعر الصراعات والأزمات العنيفة على مستوى العالم من أفريقيا إلى آسيا فإنه من الواضح تماما أنه لم يعد هناك ضامن لنظام - ليس القانون الدولي أو حتى الهيمنة العالمية- تنظر إليه البلدان (وبناة الدول المستقبليين) على أنه شرعي ويتمتع بالمصداقية» . ويلاحظ أنه بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية سنة 1923، ثم السوفياتية 1992، نهضت الإمبراطورية الصينية: «وهذا هو الأهم. هناك تقهقر في نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يطلق عليها ريموند ارون اسم الجمهورية الامبريالية، فالولايات المتحدة الأمريكية هي التي نظمت ودعمت المؤسسات متعددة الأطراف لمرحلة ما بعد سنة 1945 - مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيره- من أجل دعم الاستقرار الدولي. وإن فشل ذلك النظام على التأقلم مع تغير الحقائق الجيوسياسية والاقتصادية قد أثار أسئلة جدية تتعلق بشرعيته» [2] .

ويضيف بأن: «العالم لم يعد مقسما إلى امبرطوريات مما يعني تضاعف عدد اللاعبين (بما في ذلك اللاعبين الفاشلين) على الساحة الدولية ... وإن ... العامل الآخر الذي يساهم في انتشار الفوضى هو الزيادة الكبيرة في انعدام المساواة ومع العولمة فإن الفجوة بين الأغنى والأفقر، بين البلدان وفي داخل البلدان نفسها، قد ازدادت مما أضعف حس وحدة الهدف والذي يعتبر مهما للغاية لنظام دولي شرعي» . ولأنه: «سوف يكون من الصعب جدا خلق نظام عالمي يحقق التوازن الذي نحتاج إليه بين الشرعية والقوة وحتى نتغلب على هذا التحدي فإن هناك ثلاث مقاربات واضحة:

المقاربة الأولى،

(2) ورد مثل هذا القول حتى في نص «تقرير مراجعة استراتيجيا الأمن القومي لسنة 2010» ، الصادرة في 2/ 6/2010، حيث جاء فيها: «في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة هي التي تولت القيادة في بناء منظومة دولية جديدة =

= لاستتباب السلام ودفع عجلة الرخاء، من إنشاء حلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة إلى توقيع معاهدات تنظم تطبيق القوانين وأسلحة الحرب؛ ومن إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصولا إلى شبكة يزداد نطاقها اتساعا من الاتفاقيات التجارية. هذه المنظومة، رغم عيوبها، مكنتنا من تجنب حرب عالمية وأتاحت تحقيق النمو الاقتصادي وعززت حقوق الإنسان. وفي الوقت ذاته سهلت تقاسم الأعباء بصورة فعالة بين الولايات المتحدة وحلفائنا وشركائنا».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت