الوليدِ، وله عليّ دينٌ لستُ أملكُ أن أكافِأَهُ بِهِ إلاّ بأنْ أُفوّضَ مُكافأَتهُ إلى اللهِ تعالَى الذي يَجْزِي المحسِنينَ، والفضلُ للمُبْتَدِي وإنْ أحسنَ المقتدي.
وما وقعَ في رسالةِ (الرد على من اعترَض على الموقف من حماسٍ) مِن إنكارِ ظاهِرَةِ التعالُمِ والجُرْأةِ علَى التكْفِيرِ لمْ أرِدْ بهِ أحدًا مِمّنْ عُرِفَ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ فضْلُهُ واشتَهَرَ بهِ بَينَهُمْ، سواءٌ وافَقَنِي أو خالَفَنِي في قليلٍ أو كَثِيرٍ، ولَسْتُ واللهِ أحِل أحدًا قَوّلَنِي ما لَم أقُلْ أو حَمَلَ كلامِي علَى غَيرِ مَحْمَلِهِ تَخَرّصًا وظَنًّا حتّى يَتُوبَ إلَى اللهِ تعالَى ويُراجِعَ؛ فإن كانَ بَينَهُ وبَينَ خاصّتِهِ فحسبُهُ أن يراجِعَ نفسهُ وخاصّتَهُ، وإن كان على مَلأ من الناسِ فعلَى مَلأٍ مِنهم، وإنْ لا يَفْعَلْ فلا عَلَيهِ! واللهُ الموعِد.
وأما مَن لا يُعْرَفُ فِي العِلمِ مَصْدَرُهُ ولا مَوْرِدُهُ!؛ وجُهِلَ مِن وراءِ ذلكَ اسمُهُ ورَسْمُهُ!، ثُمّ هُو يُلْغِي عُلماءَ الأمّةِ وأكابِرَها شَرْقًا وغَرْبًا، ويريدُ من المسلمينَ أن يَتَنكّبُوا عنْ طَرِيقِهِم إلى طَرِيقِهِ!، فلا وألْفُ لا، وهُو الذي أردْتُ بكلامِي؛ نعم، ومِثلُ هذا لا يحلّ للعامِيّ ولا للطالِبِ الذي لمْ يشتَدّ فِي العِلمِ عودُهُ أن يَستَفْتِيهُ ولا أن يُتابِعَهُ، كما قال الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة ابن حزمٍ من السيرِ: من بلغ رُتبةَ الاجتِهادِ وشهدَ لهُ بذلكَ عددٌ من الأئمةٍ لم يسغْ لهُ أن يقلد؛ كما أن الفقيهَ المبْتَدِئَ والعامِيّ الذي يحفظُ القرآنَ أو كثيرًا منهُ لا يسوغُ له الاجتِهادُ أبدًا، فكيفَ يجتهد؟؛ وما الذي يقولُ؟ وعلامَ يبْنِي؟!.
وقد أمرَ تعالَى بسؤالِ أهلِ الذكْرِ وهو عزّ وجلّ لا يأمُرُ عِبادهُ إلا بِما يُطِيقُونَ؛ ولا يكُلّفُهُم إلا ما فِي وُسْعِهِمْ؛ فَعُلِمَ مِن هذا أنّ أهلَ الذكرِ طائفَةٌ مَعْروفَةٌ بينَ الناسِ، كما يُعْرَفُ بَيْنَهُم الطبيبُ والمهنْدِسُ وغَيرُهما، يشهدُ مْنهُم السابِقُ للاحقِ بالعلمِ والفضلِ، فيتميزُ بذلك الأصيلُ من الدخيلِ، والدرّ من الصدف.
وما نُسِبَ إلَيّ في بعضِ الرسائلِ مِن أنّنِي حَكمتُ في رسالَةِ (الردّ) على كلّ مُخالِفٍ لِي بالجَهْلِ وجَعلْتُهُ من جُملَةِ المتعالِمينَ!، فكلامٌ مِن كِيسِ القائلِ لَم أَفُهْ بِهِ، بل أَحْلِفُ باللهِ يمِينًا بَرّا صادِقًا أنّهُ ما كانَ هذا الظنُّ مني على بالٍ لا وقْتَ كتابةِ الردّ ولا قبلهُ ولا بعدهُ، كيفَ وأمصارُ المسلمينَ ملأَى بأهلِ العلمِ والفضلِ في نَجدٍ والحجازِ واليمنِ والشامِ والعراقِ والهندِ ومصرَ والمغْرِبِ الإسلامِي وغَيرِها من بلادِ المسلمينَ؛ في جَمعٍ لا يُحْصِيهِ غيرُ الخالِقِ سبحانهُ، وكلّهُم بِحمدِ اللهِ تعالَى أمّةٌ واحِدَةٌ؛ ولَهُم من الجُهُودِ في نشرِ العلمِ والدعْوَةِ إلى اللهِ تعالَى وتوْحِيدِهِ والنهوضِ بأمّةِ المسلمينَ ما لا أزالُ أنْتَفِعُ بِهِ وينتَفِعُ بِهِ غَيرِي مِن المسلمينَ، وهُم القومُ لا يَشْقَى بِهِم جَليسُهُمْ وللهِ الحمدُ، والعلْمُ الذي هُو ميراثُ النبُوّةِ قِسْمَةٌ قسَمَها اللهُ بَينَهُمْ؛ فَما فاتَ بَعْضَهُم اسْتَدْرَكَهُ الآخَرُ، فَما مَثَلُهُم إلا كَمِشْكاةٍ واحِدَةٍ جُعِلَتْ فِيها المَصابِيحُ عَدَدًا؛ كلٌّ مِنها يَضيءُ فِي ناحِيَةٍ، وما يكُونُ بَينَهُمْ مِمّا تَقْتَضِيهِ الطبِيعَةُ البشرِيّةُ فإنما هُوَ بَينَ أبناءِ البَيْتِ الواحِدِ؛ لا يُؤْذَنُ لغَيرِ أهلِهِ بدُخُولِهِ إلا أن يشاءَ صاحِبُهُ، وإنْ شئتَ فقلْ هُم كالَجسدِ الواحِدِ، ومِن شأنِ الجَسدِ أنْ يَنفِي كلّ دخيلٍ عليهِ بقوةِ المناعَةِ التي أودَعها الله تعالى فيهِ، وذلكَ واقِعٌ في أمةِ الإسلامِ دِينًا وشرعًا؛ وكونا وقدرًا، والحمدُ للهِ ربّ العالمينَ.
وإنّي لكَ ولصحْبكَ ناصِحٌ أمينٌ فاستَمِعْ إليّ: إنّ من الفِقْهِ في الدينِ فِقْها لا يَقْدِرُ علَيهِ إلا الأكابِرُ الراسخُونَ في العِلمِ، ذلكَ الفِقْهُ الذي يُضّيّقُ الخلافَ ويُحرّرُ مواطِنَ النزاعِ؛ ويُمَيّزُ بَيْنَ ما يُوهِنُ عزائِمَ الأمّةِ مِنْهُ وبَينَ ما يُحَرّرُها مِن رِبْقَةِ التقْلِيدِ ويَنهضُ بِها إلى حَيثُ أرادَ اللهُ تعالَى لها أنْ تَكونَ، ثُم بَينَ المُوهِنِ الذي يَجِبُ الحذرُ مِنْهُ؛ والمُحَرِّرِ الذي يَنْهَضُ بِها فُرُوقٌ لا يَتأتّى الإلْمامُ بِها إلا لِرَحْبِ الذراعِ فِي العِلْمِ، ومِن وَراءِ هذا الفُرْقانِ غايَةٌ كُبْرَى!، هِي: أن تنصَرِفَ الجُهُودُ