نفس، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلونني؟!" [1] ."
نصوص أشد ما تكون جلاء ووضوحا، وكيف لا تكون كذلك وهي تبين حكما من أدق الأحكام في الشريعة، حكم إزهاق نفس بحق، حكم هو عند الله عز وجل عظيم، فحرمة دم المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة.
فلا يحل قتل المسلم إلا بهذه الثلاث: ردة بعد إسلام أو زنا بعد إحصان أو قتل عمد لنفس معصومة الدم.
فهي حدود شرعية، حد ردة أو حد زنا أو حد قصاص، وهي أصول تتفرع منها عدة صور وأسباب أخرى لإزهاق تلك النفس بالحق، مثل حالة فعل قوم لوط"اقتلوا الفاعل والمفعول به"، ومثل من قد يتركُ دينَه، ويُفارِقُ الجماعة، وهو مقرٌّ بالشَّهادتين، ويدَّعي الإسلام، كما إذا جحد شيئًا مِنْ أركان الإسلام، أو سبَّ الله ورسولَه، أو كفرَ ببعضِ الملائكة أو النَّبيِّينَ أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"من بدَّل دينَهُ فاقتلوه"، ومثل من أتى بهيمة والعياذ بالله [2] .
وهناك حد الحرابة الذي يردع كل من تسول له نفسه الإفساد في الأرض وقطع الطرق والاعتداء على حرمات الآمنين وترويعهم، قال تعالى:"إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" [3] .
فحرمة الدماء عند الله عظيمة، ولذا جعل الله عز وجل الأصل في الدماء العصمة إلا ما دل الدليل الشرعي على حق إراقته أو نزع عصمته، وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الحرمة، وأكد عليها قبيل وفاته، في موعظة بليغة يوم حجة الوادع، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال:"يا أيها الناس أي يوم هذا، قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا قالوا: شهر حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" [4] .
(1) - سنن النسائي (4019) ، وسنن ابن ماجه (2533) ، وصححه الألباني.
(2) - مستفاد من جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي.
(3) - المائدة: (33) .
(4) - البخاري (1739) ، باب الخطبة أيام منى.