الصفحة 11 من 22

يبدأ الاستنفار كخبر من عنصر أو من أمير، فإذا كان كذلك، فقد وجب فيه شرعا التبين والتثبت، قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" [1] .

"وهذه الآية أصل في الشهادة والرواية من وجوب البحث عن دخيلة من جُهِل حال تقواه ... وهي أيضًا أصل عظيم في تصرفات ولاة الأمور وفي تعامل الناس بعضهم مع بعض من عدم الإصغاء إلى كل ما يُروَى ويُخبَر به .. وقد قرأ الجمهور"فتبينوا"بفوقية فموحدة فتحتية فنون من التبيّن، وقرأ حمزة والكسائي وخلَف"فتثبتوا"بفوقية فمُثلثَة فموحدة ففوقية من التثبت. والتبيّن: تطلب البيان وهو ظهور الأمر، والتثبت: التحري وتطلب الثبات وهو الصدق، ومآل القراءتين واحد وإن اختلف معناهما" [2] .

فالآية أصل عظيم في كيفية تعاطي الأخبار ونقلها، حيث الأمر بالتثبت تجنبا للعجلة التي تورث الندامة، فربما تتسبب العجلة بمصيبة تحل على جماعة من المسلمين بسبب التصرفات الرعناء التي تخرج ممن لا خلاق لهم من المستَنفَرين أو حتى من أصحاب العقول الراجحة الذين جرهم التعجل وعدم الأناة إلى ما لا يحمد عقباه. وصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم حين قال:"التأني من الله والعجلة من الشيطان" [3] .

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:"وأشد الناس تفريطا من عمل مبادرة في واقعة من غير تثبت ولا استشارة، خصوصا فيما يوجبه الغضب، فإنه بنَزَقِه طلب الهلاك أو استتبع الندم العظيم، فالله الله، التثبت التثبت، في كل الأمور والنظر في عواقبها، خصوصا الغضب المثير للخصومة" [4] .

فما بالك وقد نزلت الآية الكريمة في صحابي من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فتعلم الصحابة منهج التثبت في الأخبار، ونحن من باب أولى معنيون أكثر بالتثبت بسبب ما وصل إليه حال الناس اليوم من خفة تسهل للشيطان عمله بالتحريش ونشر الفتن بينهم، وبسبب البعد عن النبع الصافي كتاب الله عز وجل، وبسبب التلوث بالمناهج الأرضية، وانتشار الجهل بدين رب العالمين - جل وعلا -.

(1) - الحجرات: (6) .

(2) - تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور، (ج 26، ص 230: 232 باختصار) ، طبعة الدار التونسية.

(3) - حديث حسن، صحيح الجامع (3011) .

(4) - صيد الخاطر، (ص 374) ، نقلًا عن كتاب"نحو منهج شرعي في تلقي الأخبار وروايتها للشيخ الصويان".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت