الصفحة 12 من 22

الفتنة التي ربما تتسبب فيها الاستنفارات ذات النعرة الجاهلية ربما تكون في إراقة دماء معصومة نهى الشرع عن إراقتها، وربما يصل الأمر إلى اشتعال حرب بين فصائل مسلمة، مع ما يترتب على ذلك من مفاسد عريضة.

وقد ورد التحذير النبوي شديد اللهجة عن الاستشراف لمثل تلك الفتن، فما بالك بالخوض فيها، بل ما بالك بمن يسعرها ويكون هو شرارة البدء فيها أو مشعلها؟!.

"ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأ أو معاذا فليعذ به" [1] .

وفي الصحيحين عنه أنه قال:"إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع القطر" [2] .

والذي يستشرف الفتن هو الذي"يتصدر ويتعرض لها ولا يعرض عنها" [3] .

ويقع بذلك له من الشر بحسب التعلق بتلك الفتن التي باشرها أو تصدر لها،"وحاصله أن من طلع فيها بشخصه قابلته بشرها، ويحتمل أن يكون المراد من خاطر فيها بنفسه أهلكته" [4] .

وهناك خطر محدق وشر مستطير ربما يطال كل من يشترك في الفتن، حتى وإن كان ذلك الاشتراك سلبيا بأن يكون بشكل غير مباشر، أو يكون بمجرد الرضا فقط مع عدم المباشرة، وهذا ما نجده بجمع روايات هذا الحديث النبوي، ففي رواية:"النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القاعد".

قال ابن حجر رحمه الله:"وحكى ابن التين عن الداودي أن الظاهر أن المراد: من يكون مباشرا لها في الأحوال كلها، يعني أن بعضهم في ذلك أشد من بعض، فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سببا لإثارتها، ثم من يكون قائما بأسبابها وهو الماشي، ثم من يكون مباشرا لها وهو القائم، ثم من يكون مع النظارة ولا يقاتل وهو القاعد، ثم من يكون مجتنبا لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان، ثم من لا يقع منه شيء من ذلك ولكنه راض وهو النائم، والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شرا ممن فوقه على التفصيل المذكور" [5] .

(1) 1 - صحيح البخاري (7081) ، باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، وصحيح مسلم (7429) ، باب نزول الفتن كمواقع القطر.

(2) - البخاري (3402) ، باب علامات النبوة في الإسلام.

(3) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني.

(4) - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، (13/ 31) ، دار المعرفة - بيروت.

(5) - السابق (13/ 30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت