الصفحة 13 من 22

فهو إذن خطر عظيم يستوجب البعد عن مظانِّ تلك الفتن، وعدم الرضا بها مطلقا، ومحاولة وأدها وهي في مهدها حتى لا يستفحل خطرها.

* ولنا أن نتساءل عن سر ذلك التشديد النبوي بتجنب الفتن وعدم استشرافها؟ **.

والجواب هو بتدبر أسباب ومآلات الفتن وأثرها على المسلم في الدنيا والآخرة، فإن من أخطر أسباب الفتن تقديم الرأي على حكم الشرع، وذهاب العقول وقت الغضب المؤدي للفتنة، والتعصب المقيت لراية دون راية الشريعة، والخوض بالألسنة فيما يوقع الشحناء والبغضاء بين الناس ويوغر الصدور ويفسد علاقات الإخوة، والانشغال بالأقوال عن الأعمال، والقعود عن الجهاد في سبيل الله.

وآثار ذلك على المسلم وخيمة وخطيرة، فإن الوقوع في الفتن ربما ينسي الناس حقائق يعرفونها جيدا، ولكن ذهاب العقول يعوق دون تذكر أو تدبر تلك الحقائق الشرعية والعقلية، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"قوله: باب الفتنة التي تموج كموج البحر: كأنه يشير إلى ما أخرجه بن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضمرة عن علي قال: وضع الله في هذه الأمة خمس فتن فذكر الأربعة، ثم فتنة تموج كموج البحر وهي التي يصبح الناس فيها كالبهائم أي لا عقول لهم، ويؤيده حديث أبي موسى: تذهب عقول أكثر ذلك الزمان، وأخرج بن أبي شيبة من وجه آخر عن حذيفة قال: لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل" [1] .

والفتن ترقق الدين وتعدم أثر الموعظة، وربما يستصغر الناس المعاصي، بله الكبائر، حتى يصل بهم الأمر كما قال ابن عمر رضي الله عنهما:"في الفتنة لا ترون القتل شيئًا" [2] .

وهذا للأسف واقع مشاهد في أحيان كثيرة، حيث يستخف بعض الناس بالدماء، حتى يصل الحال إلى النظر إلى قتل مسلم معصوم الدم وكأنه حق لهم، ويسوقون عللا تافهة وأسبابا واهية أوهى من بيت العنكبوت.

(1) - السابق (13/ 49) .

(2) - مسند أحمد (4871) ، وصححه الشيخ الأرنؤوط.

تفصيل هذا الفصل مستفاد من كتاب"هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقًا".**

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت