الفصل الثامن عشر
قال صاحبي:
-اسمع .. إذا كانت عندكم جنة كما تقولون.. فأنا أول واحد سوف يدخلها فأنا أكثر دينا ً من كثير من دعاتكم من أصحاب اللحى والمسابح إياهم..
-أكثر دينًا .. ماذا تعني بهذا ؟
-أعني أني لا أؤذي أحدًا ولا أسرق، ولا أقتل، ولا أرتشي، ولا أحسد، ولا أحقد، ولا أضمر سوءًا لمخلوق، ولا أنوي إلاّ الخير، ولا أهدف إلاّ إلى النفع العام.. أصحو وأنام بضمير مستريح وشعار حياتي هو الإصلاح ما استطعت.. أليس هذا هو الدين؟ ألا تقولون عندكم إن الدين المعاملة؟ ..
-هذا شيء له اسم آخر.. اسمه حسن السير والسلوك.. وهو من مقتضيات الدين ولكنه ليس الدين، إنك تخلط بين الدين وبين مقتضايته.. والدين ليس له إلا معنى واحد هو معرفة الإله.. أن تعرف إلهك حق المعرفة، ويكون بينك وبين هذا الإله سلوك ومعاملة.. أن تعرف إلهك عظيمًا جليلًا قريبًا مجيبًا يسمع ويرى فتدعوه راكعًا ساجدًا خاشعًا خشوع العبد للرب.. هذه المعاملة الخاصة بينك وبين الرب هي الدين.. أما حسن معاملتك لإخوانك فهي من مقتضيات هذا التدين وهي في حقيقة الأمر معاملة للرب أيضًا ..
يقول نبينا عليه الصلاة والسلام:"إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل"..
فمن أحب الله أحب مخلوقاته وأحسن إليها.. أما إذا اقتصرت معاملاتك على الناس لا تعترف إلا بهم ولا ترى غيرهم.. ولا ترى غير الدنيا فأنت كافر تمامًا وإن أحسنت السير والسلوك مع هؤلاء الناس.. إنما يدل حسن سيرك وسلوكك على الفطانة والسياسة والكياسة والطبع اللبيب وليس على الدين فأنت تريد أن تكسب الناس لتنجح في حياتك، وحسن سيرك وسلوكك ذريعة إلى كسب الدنيا فحسب.. وهذه طباع أكثر الكفار أمثالك.
-صدقني أنا أشعر أحيانًا بأن هناك قوة..
-قوة !
-نعم .. ثمة قوة مجهولة وراء الكون.. أنا أؤمن تمامًا بأن هناك قوة..