ولكننا نعلم الآن أنه لا إعجاز في الموضوع ولا سحر، ولا خرق لأي قانون.. بل إن ما يحدث في داخل الترانزستور هو أمر يجري حسب قوانين في علم الإلكترونيات.. وإنه معقول تمامًا وسيكون الأمر أعجب لو أنك دخلت على ملك بابل وفي يدك تليفزيون ينقل الصور من بلاد الروم.. وسوف يصفق ملك آشور عجبًا لو أنك أدرت له أسطوانة بلاستيك فتكلمت.
بل إن التاريخ ليحفظ لنا قصة مماثلة حينما نزل المستعمرون أفريقيا.. وحطت أول طائرة لهم في الغابة وسط البدائيين.. ماذا حدث؟ سجد الزنوج العراة على وجوههم ودقوا الطبول وذبحوا القرابين وظنوا أن الله نزل من سماواته وتصوروا فيما يحدث خرقًا لجميع القوانين.. مع أننا نعلم الآن أن الطائرة تطير بقانون وتنزل بقانون.. وأنها مصممة حسب القوانين الهندسية المحكمة، وأن طيرانها أمر معقول تمامًا، وأنها لا تخرق قانون الجاذبية، وإنما تتجاوز هذا القانون بقانون آخر هو قانون الفعل ورد الفعل..
نحن إذن أمام تفاضل قوانين وليس أمام خرق قوانين.. والماء يصعد في ساق النخلة ضد الجاذبية ليس بخرق هذه الجاذبية وإنما بمجموعة قوانين فسيولوجية تتفاضل معها.. هي قانون تماسك العمود المائي وقانون الخاصة الشعرية، وقانون الضغط الأزموزي، وهي جميعها قوانين تؤدي إلى شد الماء إلى أعلى.