ولأن هذه الطبيعة والانفعالات الملحقة بها تتصف بخواص المادة نقول إن جسد الإنسان ونفسه الحيوانية هما من المادة .
ولكن هناك طبيعة أخرى مخالفة تماما للأولى ومغايرة لها في داخل الإنسان .
طبيعة من نوع آخر تتصف بالسكون واللازمان واللامكان والديمومة .. هي العقل بمعاييره الثابتة وأقيسته ومقولاته .. والضمير بأحكامه ، والحس الجمالي ، وال أنا التي تحمل كل تلك الصفات"من عقل وضمير وحس جمالي وحس أخلاقي".
والـ أنا غير الجسد تماما وغير النفس الحيوانية التي تلتهب بالجوع والشبق .
الـ أنا هي الذات العميقة المطلقة وعن طريق هذه الذات والكينونة والشخوص والمثول في العالم .. وبأنه هنا وبأنه كان دائما هنا .. وهو شعور ثابت ممتد لا يطرأ عليه التغير لا يسمن ولا يهزل ولا يمرض ولا يتصف بالزمان .. وليس فيه ماض وحاضر ومستقبل .. إنما هو"آن"مستمر لا ينصرم كما ينصرم الماضي .. وإنما يتمثل في شعور بالدوام .. بالديمومة .
هنا نوع آخر من الوجود لا يتصف بصفات المادة فلا هو يطرأ عليه التغير ولا هو يتحيز في المكان أو يتزمن بالزمان ولا هو يقبل الوزن والقياس .. بالعكس نجد أن هذا الوجود هو الثابت الذي نقيس به المتغيرات والمطلق الذي نعرف به كل ما هو نسبي في عالم المادة .
وأصدق ما نصف به هذا الوجود أنه روحي وأن طبيعته روحية .
ولنا أن نسأل بعد ذلك .
أي الطبيعتين هي الإنسان حقا .
هل الإنسان بالحقيقة هو جسده أو روحه .
ولنعرف الجواب علينا أن نبحث أي الطبيعتين هي الحاكمة على الأخرى .
يقول لنا الماديون أن الإنسان هو جسده ، وأن الجسد هو الحاكم وأن كل ما ذكرت من عقل ومنطق وحس جمالي وحس أخلاقي وضمير وهذه"التخريفة"التي اسمها الذات أو الـ أنا كل هذه ملحق بالجسد ثانوي عليه تابع له يأتمر بأمره ويقوم على خدمته ويتولى إشباع شهواته وأهوائه .