ولا يجب أن يفهم من هذا الكلام أننا ننكر العذاب الحسي ونقول بالعذاب المعنوي ..
فإن العذاب الحسي صريح لا يجوز الشك فيه ونحن نؤمن بوجوده .
وإنما نقول إن تفاصيل هذا العذاب وكيفيته .. كما أن كيفية تلك النار وأوصافها التفصيلية ..
هي غيب مجهول .. فهي على ما يبدو في الإشارات القرآنية .. نار غير النار ..
كما أن أجسامنا في تحملها لتلك النار هي غير الأجسام الترابية الهشة التي لنا الآن ...
ونفس الشيء في الجنة .. فهي ليست سوق خضار وبلح ورمان وعنب ..
وإنما تلك الأوصاف القرآنية هي مجرد إشارات وضرب أمثلة وتقريب إلى الأذهان .
( مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه )
"مثل الجنة".. أي أننا نضرب مثلا يقرب فهم الجنة إليك ولكن الحقيقة أن التفاصيل غيب .
( فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ) .
( جنة عرضها السموات والأرض ) .
فهي لا يمكن أن تكون مجرد حديقة .
( وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ) .
فهي غير فاكهتنا المقطوعة والممنوعة .. وخمر:
( لا يصدعون عنها ولا ينزفون ) .
فهي غير خمرنا التي تصدع الرأس وتنزف العقل
ويقول القرآن عن أهل الجنة:
( ونزعنا ما في صدورهم من غل )
ها هنا نفوس طهرت بطريقة لا نعلمها .
الجنة إذا هي الأخرى غيب وليس في هذا الكلام أي إنكار للنعيم الحسي فنحن نؤمن بأن الجنة نعيم حسي ومعنوي معا كما أن النار عذاب حسي ومعنوي ولكن ما نريد تأكيده أن تفاصيل هذا النعيم أو العذاب وكيفياته غيب .
وأن الجنة ليست سوقا للفاكهة والخضار ولا النار فرنا لشوي اللحم .
وإن التعذيب في الآخرة ليس تجبرا من الله على عباده وإنما هو تطهير وتعريف وتقويم ورحمة .
( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم )
فالأصل هو عدم العذاب .
والله لا يعذب العارف المؤمن وإنما ينصب عذابه على الجاحد المنكر الذي فشلت معه كل وسائل الهداية والتعريف والتفهيم .