وبعد أن خلا لأمريكا الجو الاقتصادي وأصبحت عن طريق التهديد والبطش والكيد هي القوة الاقتصادية الأولى في العالم، تدفقت عليها الاستثمارات الأجنبية من كل حدب وصوب، وأصبحت تعاني من فائض في السيولة لدى مصارفها يفوق استثماراتها الداخلية، وهذا الفائض دعاها إلى الترويج لنظام العولمة الاقتصادية لتفتح أسواق العالم أمامها بلا قيد أو شرط فتصدّر رأس المال والسلعة الأمريكية لتستورد أرباحها إلى أمريكا، وبدأت بالترويج لهذه الخطة التي كانت تأمل من ورائها أن تأكل العالم بأكمله.
ونظرًا لهذه الخطة الأمريكية الجديدة للسيطرة على العالم اقتصاديًا، بدأت أوروبا تشعر بالخوف من المناورات الأمريكية الخفية التي لن تعطيها أكثر من الفتات، وعلى إثر بعض المناورات الاقتصادية الأمريكية المكشوفة بدأت العلاقات التجارية والسياسية تتوتر بين أمريكا وأوروبا على إثر عدة قضايا بعد حرب البلقان، وكان محور مواضيع الخلاف نظام الدفاع الأمريكي المضاد للصواريخ الذي ترى دول أوروبا باستثناء (ذيل أمريكا) بريطانيا أنه سيعيد سباق التسلح في المنطقة ويعيد تهديد كوريا الشمالية والصين مما يؤثر على علاقات أوروبا بالدولتين، كما أن هذا سيثير موسكو لتعيد مشاريعها في التسلح لأنها ترفض تعديل معاهدة (أي بي إم) الموقعة بين الحلفين عام 1972م والتي تحظر نشر هذا النوع من الصواريخ، ومن مواضيع الخلاف عدم كفاية الاستثمارات العسكرية للاتحاد الأوربي والتي يمكن أن تؤدي إلى خرق وحدة تلاحم حلف شمال الأطلسي (الناتو) ، ومن مواضيع الخلاف إعادة سياسة الناتو واستقلاله بقرارات التدخل عن مجلس الأمن في أي صراعات عالمية دون الرجوع للقرارات الدولية، ومن مواضيع الخلاف انحياز أمريكا لإسرائيل التي لم تطبق شيئا من قرارات الأمم المتحدة، ومن مواضيع الخلاف مواصلة حصار العراق وقصفها مما زاد من كارثة الشعب العراقي والمجاعة والأمراض، ومقابل حصارها للعراق دعمها لدول دكتاتورية منتهكة لحقوق الإنسان ودعمها للانقلابات في العالم وتسليح دول تقوم على اضطهاد الشعوب وإبادتها لا سيما في أفريقيا السوداء، ومن مواضيع الخلاف حرب الموز التي لا تزال عالقة حتى بعد حسم منظمة التجارة العالمية للقضية في صالح الولايات المتحدة في 12/ 1419هـ الموافق 4/ 1999م، ومن مواضيع الخلاف فرض أمريكا رسوم تصل إلى 30% على وارداتها من الصلب من أوروبا في مارس الماضي، مما دعا أوروبا العزم على فرض رسوم عقابية تصل إلى 300 مليون دولار على مجموعة من المنتجات الأمريكية، ويقول الاتحاد الأوروبي أنه لا مناص من العقوبات على أمريكا إلا إذا وافقت واشنطن على تقديم تنازلات من إعفاء الشركات الأوروبية من رسوم والصلب، ومن مواضيع الخلاف الصراع الذي لا يزال محتدمًا بسبب المحاصيل المعدلة جينيًا المعروفة بـ ( GM) حيث يزداد رفض الأوروبيين لاستيراد العديد من المحاصيل الأمريكية خرقًا للاتفاقيات بينهما بدعوى أنها معدلة جينيًا وأن ذلك يضر بصحة البشر، وسرعان ما وجه الأتحاد الأوروبي ضربة كبيرة لسوق القمح الأمريكية بعد اندلاع هذه الحرب بأسبوع عندما سمح لأسبانيا باستيراد القمح من الأرجنتين بدلًا من الولايات المتحدة، ثم تباينت المواقف أكثر تجاه مفهوم العولمة وتحرير التجارة الاقتصادية والزراعة والبيئة والعمل والاستثمار والمنافسة، ليظهر الخلاف الحاد بين الاتحاد الأوربي وأمريكا في الاجتماع الوزاري لدول منظمة التجارة الدولية في سياتل الأمريكية في منتصف عام 1420هـ أواخر 1999م ليتحول من قضية تجارية إلى قضية أخلاقية بحتة، يفشل معها كل ما سبق من تفاهمات مما أفرح كثيرًا من دول الاتحاد الأوروبي التي شعرت بتوقف المد الكاسح الأمريكي الذي ألب عليها الرأي العام الأوروبي خاصة في القطاع الزراعي، إلى غير ذلك من القضايا الجوهرية التي عززت من تفاقم الخلاف بين أوروبا وأمريكا وعززت تمسك أوروبا بإنشاء اقتصاد منافس وعملة حرة مقابل كل ذلك، حتى بدأ المراقبون يصفون أمريكا بعد تلك الخلافات مع أوروبا بالعملاق المقيد بعد تصادم خياراتها الاستراتيجية الاقتصادية مع حلفائها.