الصفحة 19 من 23

ولأجل الوضع الاقتصادي والأمني المنهار في الولايات المتحدة رأى أحمق البيت الأبيض وزبانيته أن يعيدوا صياغة الصراع، ويغلقوا عددًا من الجبهات التي فتحوها على أنفسهم بعنجهية بالغة، ليسدوا أبوابًا من الصرف والاستنزاف التي لا تحقق لهم أي مصالح، إلا أنهم فشلوا فشلًا عظيمًا في تحديد المرحلية القادمة لهم، فهم في تخبط عظيم وتناقض قولي وعملي لا يمكن للمتابع أن يصدق أن أمثال هؤلاء يعرفون أبجديات السياسة، فبعد أن كان بوش يصرح بأن العالم لا بد أن يكون معنا أو مع الإرهاب، ويصرح بأن حربه ستكون شاملة لا حدود لها، وأعلن عن تدخله في ستين دولة لاقتلاع جذور الإرهاب، وأعلن أنه يحارب عددا من الدول وصفها بأنها محور الشر، وهدد أن الردع النووي لا يزال هو خيارهم ضد هذه الدول، حيث قال في خطابه أمام الكونجرس في بداية هذا العام "بأنه يؤكد عزمه المضي قدمًا في الحرب ضد عدد من الدول ووصف العراق وإيران وكوريا الشمالية بأنها محور الشر، وقال إن هذه الدول تسعى إلى امتلاك أسلحة دمار شامل تشكل خطرًا تزداد حدته، وأضاف: إن كوريا الشمالية نظام يتسلح بصواريخ وأسلحة دمار شامل، وإن طهران عازمة على امتلاك هذه الأسلحة وتصدير الإرهاب، وإن العراق يستمر في إظهار عدائة لأمريكا ويدعم الإرهاب، والنظام العراقي يتآمر منذ أكثر من عشر سنوات لتطوير الجمرة الخبيثة والغازات القاتلة والأسلحة النووية، وقال بأن العالم المتحضر مهدد بأخطار لا سابق لها، وقال بأن الولايات المتحدة لن تسمح لأخطر الأنظمة على الأرض بأن تهددنا بأخطر الأسلحة في العالم"، مما دعا صحيفة التايمز البريطانية أن تصف خطابه هذا بأنه خطأ فادح وقمة في التطرف، وأكد الخبراء أن هذا الخطاب فتح جبهة للحرب دون التركيز على جبهة العداء الحقيقية، وقالوا بأن الخطاب كان عدائيًا جدا، وقال ستيفن هيس الخبير في معهد برو كينجز في واشنطن "يمكن القول أنه فتح جبهة ثانية بهذا الخطاب".

وتأتي هذه التصريحات من بوش بعد أن أعلن قبل ضربات أمريكا بشهرين عن عزمه على الانسحاب من معاهدة انتشار الصواريخ، ومضيه قدمًا في تطوير منظومة الصواريخ وعدم اعتداده بالاتفاقيات الموقعة مع الروس بهذا الشأن وبشأن خفض الأسلحة النووية، حتى أعطى أوامره للبدء بتجربة الصواريخ في أول شهر جمادى من العام الماضي أي قبل الضربات المباركة بعشرين يوم تقريبًا الثالث من جمادى الآخرة لعام 1422هـ وهو ما يوافق 22/ 8/2001م رغم معارضة روسيا والصين وأوروبا لتلك التجارب، إلا أن التجربة أوقفت بسبب الضربات وأعيدت التجربة من جديد قبل أسبوع لأهداف سياسية متناقضة، وقبل ضربات جمادى صعّد بوش الأزمة مع الصين بافتعال عدد من القضايا ضدها سواء عن حقوق الإنسان أو التبت أو هونغ كونغ أو غيرها، ورفض بوش أن يذعن لنهي حلفائه من أعضاء الناتو عن اتخاذ هذه الخطوات التي من شأنها أن تعيد سباق التسلح والحرب الباردة، كل هذا التصعيد مع جميع دول العالم كان قبل معرفة بوش بحجم انهيار اقتصاده والأخطار الأمنية التي تهدده في الداخل، والجدير بالذكر أن هذه السياسة العدائية تجاه دول العالم كلها إنما هي نابعة بشكل رئيس من تبني قادة البيت الأبيض لعقيدة الإنجيليين العسكريين الذين يعتقدون بقيام محرقة نووية تكون كمقدمة لمعركة هرمجدون الفاصلة، ونسأل الله أن يصدق توقعهم فتكون المحرقة في أمريكا!!.

إلا أن ضربات المجاهدين لأمريكا كانت بحق مؤلمة وعميقة، فقد غيرت الاستراتيجيات الأمريكية، وإن شئت فقل خلطت أوراق السياسة الأمريكية، ولم يعد الأمريكان يفرقون بين ما يجب فعله ومالا يجب، ففي كل يوم يصدر تصريح استراتيجي مناقض لما قبله، حتى رأينا أن أمريكا بسبب الضربات بدأت تنقاد لمطالب معارضي سياستها وإن كانت تكابر ولا تقر بالانقياد إلا أنها نفذت ما أراده معارضوها وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي، وأخذ أعداء أمريكا منها كل ما يريدون وأولهم روسيا.

إن الضربات التي ألحقها المجاهدون بأمريكا لم تكن خسائرها المباشرة وحدها هي المؤلمة، بل إن تراكم الخسائر وتضخمها الذي سيستمر معهم إلى الانهيار بإذن الله تعالى، هي التي أخضعت وسوف تخضع الأمريكان أكثر لما يريده العالم منهم، فإما أن يحافظوا على وحدة بلادهم ويحافظوا على أكبر قدر من مصالحهم ويعلنوا هزيمتهم وحاجتهم لمساعدة العالم لهم، أو يواصلوا العنجهية والصلف والتسلط وحشد العالم ضدهم واستنزاف مقدراتهم وإنهاك اقتصادهم المريض ليصلوا في النهاية إلى الانهيار والتفكك الحقيقي بعد انهيار القيم والحرية والديمقراطية والمبادئ التي طالما تشدقوا بها بعد الضربات المباركة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت