ولمعرفة دول أوروبا سر سيطرة أمريكا عليها فقد قررت قبل الاستقلال الجديد ومنافسة أمريكا على مناطق نفوذها وتقاسم المصالح معها أن تنهض اقتصاديًا، فالدولار لا يمكن أن تقف أمامه أي عملة أوروبية فضلًا عن منافسته، والاقتصاد الأمريكي قد التوى على أوروبا وعلى مصادر الطاقة كما تلتوي الحية على فريستها استعدادًا لعصرها، فاتجهت دول أوروبا للمنافسة عن طريق عملة موحدة، وهو الخيار الذي كان مطروحًا منذ سنوات، وبدأت الخطوات العملية نحو هذا الخيار، فتم إصدار القرار بالتعامل بسندات العملة الجديدة لدول أوروبا (اليورو) في رمضان لعام 1419هـ الموافق لأول يناير لعام 1999م ورأت أمريكا أن اليورو سيشكل المتنفس الأول لأوروبا والمنفذ الرئيس لها للخروج عن طاعتها ومنافستها اقتصاديًا وإخراجها من السوق الأوروبية، لأن اليورو ليس عملة مرتبطة بإمكانيات بلد واحد، بل هو عبارة عن سلة عملات لأقوى دول أوروبا اقتصاديًا وهي (أسبانيا والبرتغال ويرلندا وفرنسا وفنلندا وإيطاليا وهولندا وألمانيا وليونان ولوكسمبورغ والنمسا وبليجا) ، باستثناء (بريطانيا والسويد والدينمارك) ، إلا أن أمريكا خلقت لهذه العملة عدة مشاكل لإضعافها أو فقدان الثقة بها من قبل المستثمر، وكان من أهم حيل أمريكا لإسقاط اليورو أن أشعلت في وسط أوروبا حرب البلقان ضد يوغسلافيا بعد تدشين التعامل باليورو بثلاثة أشهر رغم اعتراض فرنسا وألمانيا، فلم تكن حرب البلقان دفاعًا عن مسلمي كوسوفا كما زعمت أمريكا، بل كانت دفاعًا عن مكاسب الدولار، ولم تكن هذه الحرب أيضًا ضد سلوبدان مليسوفتش الذي نال خلال إبادته لمسلمي البوسنة أقوى الدعم الأمريكي بل إن هذه الحرب كانت ضد اليورو، كما كانت حرب الخليج لاحتلال منابع النفط لا دفاعًا عن الشعب الكويتي كما تقول أمريكا، وبالفعل أفقدت حرب البلقان في سبعين يومًا ثقة المستثمر الغربي بهذه العملة الناشئة وسط منطقة نزاعات قادمة كما صورتها حرب البلقان، ليهرب المستثمر من منطقة اليورو إلى منطقة الدولار، وتم لأمريكا ما أرادت وضربت اليورو ضربة أولى في مهده، أفقدته ربع قيمته تقريبًا، فانطلق ببداية ضعيفة كفيلة بأن تنهيه خلال خمس سنوات.
وبعد الحرب تزايدت فرص صعود اليورو حتى استعاد 15% من قيمته في أول مارس عام 2001 بعد أن بلغ أدنى مستوى له في أكتوبر 2000م، وكانت مشكلة البطالة في منطقة اليورو هي أكثر العوامل لضعف اليورو والتي بلغت 9.2% أي ما يعادل ضعف نسبة البطالة في أمريكا، وكانت أمريكا تحاول جاهدة تنمية البطالة في منطقة اليورو عن طريق إخراج رؤوس الأموال منها ليواصل اليورو في الانخفاض أمام الدولار.
هكذا عاملت أمريكا حلفائه بعد أن بدءوا أول محاولة لهم للاستقلال والمنافسة، عقب اتحادهم سياسيًا وجغرافيًا عن طريق اتحاد (شنجن) لدول أوروبا.