فهرس الكتاب

الصفحة 775 من 8511

ولنلاحظ أن ما تَساقَط هنا ليست خصوصية قومية بعينها وإنما مفهوم الخصوصية نفسه، وليس تاريخًا بعينه وإنما فكرة التاريخ نفسها، وليس هوية بعينها وإنما كل الهويات، وليس منظومة قيمية بعينها وإنما فكرة القيمة نفسها، وليس نوعًا بشريًا بعينه وإنما فكرة الإنسان المطلق نفسها، الإنسان ككيان مركب لا يمكن رده إلى ما هو أدنى منه. لقد اختفت المرجعية، أية مرجعية، وظهر عالم لا خصوصيات فيه ولا مركز له. هذا العالم الذي لا مركز له، يسير فيه بشر لا مركز لهم ولا هدف، لا يمكنهم التواصل أو الانتماء لوطن أو أسرة، كل فرد جزيرة منعزلة أو قصة صغيرة، فيظهر إنسان استهلاكي أحادي البُعد يُحدِّد أهدافه كل يوم، ويُغيِّر قيمه بعد إشعار قصير يأتيه من الإعلانات والإعلام، إنسان عالم الاستهلاكية العالمية الذي ينتج بكفاءة ويستهلك بكفاءة ويُعظِّم لذته بكفاءة حسب ما يأتيه من إشارات وأنماط! هذا هو الحل النهائي في عصر التسوية الذي حل محل الحل النهائي لعصر التفاوت، فبدلًا من الإبادة من الخارج، يظهر التفكيك من الداخل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت