فهرس الكتاب

الصفحة 699 من 8511

ونحن نقترح استرجاع الإمبريالية كمقولة تحليلية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية، ومن ثم لا يمكن استبعادها من دراسة أية ظاهرة في الحضارة الغربية الحديثة. ولنأخذ الديموقراطية على سبيل المثال. يُلاحَظ أن الدول الغربية الديموقراطية، وفي طليعتها إنجلترا وفرنسا، هي بلاد لها مشروعها الاستعماري الضخم حيث التهمت معظم أنحاء العالم وقمعت السكان الأصليين وسلبتهم حريتهم وحطمت مؤسساتهم الاجتماعية والثقافية. وقُل نفس الشيء عن هولندا وبلجيكا، وبدرجة أقل عن إيطاليا. وبعد أن استعمر الإنسان الغربي الولايات المتحدة وأقام فيها نظامًا سياسيًا مستقرًا، قام بعملية إبادة للسكان الأصليين، ثم دخلت الولايات المتحدة في تجربتها الاستعمارية فاحتلت بورتوريكو وهاواي والفلبين، ووضعت أمريكا اللاتينية تحت مظلتها بمقتضى مبدأ مونرو. وقد ترسخت الديموقراطيات الغربية عن طريق الإمبريالية إذ نجحت في تسريع التراكم الرأسمالي (الإمبريالي) من خلال نهب المستعمرات، الأمر الذي ساهم في تأسيس بنيتها التحتية المادية الضخمة المستقرة وتحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطنين عن طريق تجريد بقية شعوب العالم من مصادرها الطبيعية والبشرية. وقد نجحت الحكومات الغربية في تصدير مشاكلها الاجتماعية حيث قامت بإرسال المجرمين والعناصر غير المستقرة اجتماعيًا والفائض السكاني إلى الشرق، بل قامت بالتخلص من الجماعات والأقليات غير المرغوب فيها (مثل اليهود) عن طريق نقلهم إما إلى الشرق (في فلسطين) أو إلى الغرب (في أفران الغاز) ، كما حلت مشكلة سوء توزيع الثروة من خلال نهب المستعمرات. ويكفي أن نعرف أن ما نهبته إنجلترا من الهند يزيد كثيرًا عما أنتجته خلال الثورة الصناعية عامة، أي أن نجاح المجتمع الإنجليزي ومشروعه التحديثي لا يمكن رؤيته بمعزل عن التراكم الاستعماري، فالسلام الاجتماعي الداخلي الذي حققه المجتمع الإنجليزي قد تحقق من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت