فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 8511

وتؤدي هذه النسبية المعرفية والأخلاقية في حالة الإنسان الوثني البدائي والإنسان الحديث إلى غياب إطار متكامل للوفاء باحتياجاتهما النفسية، ولذا، يعود كل منهما إلى مصادره الشخصية. وإذا كان البدائي يعود للقبيلة والآلهة المحلية ويفقد ذاته فيهما، فإن الإنسان الحديث قد فقد إيمانه بالكل المادي ولم يبق أمامه سوى المؤسسات الرشيدة التي تُرشِّد حياته وتُنمِّطها وتضع له سيناريوهات عديدة بديلة، ولكنها جميعًا تنويعات رياضية فارغة من المعنى. وحينما يتمرد الإنسان على حياته، تظهر الحركات الشمولية والقوميات العضوية التي تزود حياته بالمعنى بأن تُحوِّله إلى إنسان ذي بُعد واحد لا يسأل أية أسئلة نهائية أو كلية ولا يشعر بأي قلق ميتافيزيقي ولا يلتزم بأية منظومات أخلاقية متجاوزة لذاته القومية الضيقة وتذيب الذات المركبة المتعينة في كل أكبر ملون هو الشعب القومي العضوي وأرض الوطن والأجداد المختارة (التي تشبه آلهة المكان المحلية) ، أو الدولة والفوهرر في النازية، والوطن والدوتشي في الفاشية، وديكتاتورية البروليتاريا والزعيم الفرد في الشيوعية، والشعب اليهودي المختار وأرض الميعاد في الصهيونية. ولعل ظهور العبادات الجديدة والنزعات البيئية المتطرفة وعبادة جايا، أي الأرض، هو تعبير عن هذه الرغبة الوثنية البدائية/ الحديثة/الجنينية في العودة إلى كل أكبر تُفقَد فيه الذات وتهبط في القاع وتستقر فيه.

ولعل ظهور الجسد والجنس (والصور المجازية الأساسية في النظم الحلولية الكمونية) كصور مجازية أساسية تعبير آخر عن النزعة الجنينية (الوثنية الحديثة) ومحاولة حل مشكلة المعنى بإلغائها، فحينما يصبح الجسد والجنس هما المعنى، فقد عدنا مرة أخرى لإله المكان وإله اللحظة وإلى القرابين المباشرة النفعية دون منطق واضح ودون معنى كلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت