فهرس الكتاب

الصفحة 5582 من 8511

وقد حاول بعض دارسي العقائد اليهودية تفسير ظاهرة تزايد الشعائر وصرامتها. ونحن نذهب إلى أن تزايد درجة الحلولية في الأديان يؤدي إلى موقفين من الشعائر متناقضين تمامًا، ولكنهما، في الوقت نفسه، متماثلان تمامًا ويؤديان إلى النتيجة نفسها (وهذا هو الحال دائمًا مع الثنائية الصلبة، إذ يتقابل النقيضان) . أما الموقف الأول، فهو تزايد هذه الشعائر بشكل متطرف، وهو أمر مفهوم باعتبار أن تزايد درجة الحلولية يتبعه تزايد معدلات القداسة التي يظن الإنسان أنه يتمتع بها. ومن ثم تصبح كل أفعاله، وضمن ذلك أدنى الأفعال الإنسانية وأحطها وأكثرها دناءة، مقدَّسة. ولذا، يجب أن تتبع هذه الأفعال نظامًا مقدَّسًا محددًا، أي الشعائر. والشعائر هنا، في النسق الحلولي، تحل محل الأخلاق في النسق التوحيدي. إذ أن هدف الوجود في النسق الحلولي ليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنما التقرب من الإله والالتصاق به ثم التوحد معه عن طريق إقامة شعائر معينة، تنتهي في نهاية الأمر إلى التوصل إلى التحكم في الإرادة الإلهية (ومن ثم نجد أن هذه الشعائر ترتبط دائمًا بالسحر) . لكل هذا، تختفي النزعة الأخلاقية الروحانية تمامًا وتكتسب الشعائر، خصوصًا شعائر الطهارة، أهمية بالغة. كما أن وظيفة الشعائر هنا تصبح عزل الإنسان (المقدَّس) عن محيطه الديني، التاريخي أوالنسبي أو الإنساني. ورغم أن الحاخامات لم يعبِّروا عن هذا الرأي بهذا الشكل المباشر، فإن كثيرًا من أقوالهم الخاصة بأن الشعائر منزلة من عند الإله، حتى يقترب اليهود منه ويصبحوا جزءًا منه ويعزلوا عن الأغيار، تحمل هذا المضمون أو على الأقل تتضمنه. وقد وصل هذا التيار إلى قمته في القبَّالاه اللوريانية التي جعلت حركات اليهودي وسكناته أمورًا ذات دلالة شعائرية عميقة، وجعلت صلاته وسيلةً لإنجاز الزواج المقدَّس بين الابن (التجلي السادس) والابنة (التجلي العاشر) والذي يأتي بالخلاص لليهود ولكل البشر، بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت