والواقع أن ذيوع القبَّالاه في الحضارة الغربية ليس مجرد تعبير عن تهويد المسيحية أو الحضارة الغربية، وإنما هي في واقع الأمر تعبير عن عنصر أكثر عمقًا وبنيوية، وهو شيوع التفكير الحلولي الكموني الذي يدور في إطار مادي تجسدي، بحيث يصبح اللوجوس كامنًا في المادة لا متجاوزًا لها، ويصبح الإله متوحِّدًا مع الطبيعة والتاريخ لا منزَّهًا عنهما. وهو توُّحد يتم تدريجيًا إلى أن يتحقق تمامًا في مرحلة وحدة الوجود التي يشحب فيها الإله ثم يموت ليبقى العالم المادي وحده واللوجوس (أو القوانين الطبيعية) الكامنة فيه. وهذا هو الإطار الذي حقَّق فيه المفكرون اليهود بروزهم، وهو إطار لا هو بالمسيحي ولا هو باليهودي، إطار معاد للتوحيد ومعاد للإله المنزَّه ويتجه نحو المادية والتجسد، وهو إطار معرفي إمبريالي علماني.
فلافيوس ميثراديتس (القرن الخامس عشر)
هو صمويل بن نسيم الفراج من صقلية. تَنصَّر وتَسمَّى باسم جوليلموس (أي الصقلي) علَّم العربية والعبرية والآرامية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا، وكان أحد مُعلمي بيكو ديللا ميراندولا. عُيِّن أستاذًا في روما وقام بترجمة عدة كتب من العربية والعبرية واليونانية إلى اللاتينية (وضمن ذلك أجزاء من القرآن) . كما ترجم لديللا ميراندولا بعض التفاسير اليهودية للتوراة (المكتوبة بالعبرية) ، وكتابًا لموسى بن ميمون عن البعث، وبعض الأعمال القبَّالية. وألقى موعظة أمام البابا عن عذاب المسيح على الصليب مستخدمًا المدراش وبعض المصادر اليهودية. يُعدُّ ميثراديتس شخصية مهمة في تعريف العالم الغربي بالقبَّالاه ووضع أسس القبَّالاه المسيحية.
بيكو ديللا ميراندولا (1463-1494)