والتمييز بين الجماعة التراحمية العضوية والمجتمع التعاقدي هو تمييز له جانبان؛ أحدهما معرفي وأخلاقي ينصرف إلى رؤية الإنسان وطريقة إدراك الكون، والآخر سياسي واقتصادي واجتماعي ينصرف إلى طريقة تنظيم المجتمع. والجانبان هما تعبير عن نفس الفكرة الواحدة في مجالين مختلفين. ومن الواضح أن من استخدموا هاتين الفكرتين، كأداة تحليلية، كانوا يفضلون الجماعة المترابطة التي ينتمي إليها المواطن الذي يصبح جزءًا من كل يفقد ذاته فيه بحيث تختفي مصلحته الشخصية الأنانية الضيقة وتحل محلها مصلحة الدولة أو الجماعة، ولا يصبح له وجود خارجها. ونظرًا للارتباط العضوي للإنسان بجماعته، وتَطابُق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فإن الجماعة تعبِّر عن جوهر الإنسان بدلًا من أن تشكل اغترابًا عنه. والقانون البشري لا يشكل في هذه الحالة حدودًا على الإنسان أو قيدًا، ولا يتعارض مع إدراكه لنفسه، وإنما يعبِّر عن جوهره ويحقق إمكاناته الكامنة، ومن هنا فإن الرابطة بين الإنسان والجماعة رابطة عضوية ورابطة داخلية (جوانية) لا تتناقض فيها الذات والموضوع.