وحركة الاستنارة هي قمة منطق السيطرة والهيمنة (يشيرون لها بأنها «الاستنارة المريضة» و «الاستنارة اللاإنسانية» و «المدنية» في مقابل «الحضارة» ) ، فهي حركة إسقاط لا محاكاة إذ تُلغي الطبيعة تمامًا وتُعلن إمكانية السيطرة النهائية من خلال تجريدها من خصائصها الضرورية (قداستها ـ حرمتها ـ أسرارها ـ غيبها) ، وتفتيتها إلى ذرات منفصلة، وإدراكها من خلال مقولات واحدية مادية بسيطة، وإخضاعها للقياس والحساب والتحكم والسيطرة. ولكن المفارقة تكمن في أن الاستنارة بذلك أدركت الإنسان نفسه من خلال مقولات العلوم الطبيعية البسيطة (الموضوعية المادية المنفصلة تمامًا عن الذات الإنسانية) . وينتهي الأمر حين يسوي التنوير كل شيء بكل شيء آخر، ويصبح العالم مادة استعمالية خاضعة لمؤسسات العقل الأداتي الإدارية والبيروقراطية وينفلت من أية غائيات إنسانية حتى يصبح قوة مستقلة تمامًا لها أجزاؤها وأهدافها التي تتجاوز ما هو إنساني. وتصل هذه الاستنارة اللاإنسانية إلى قمتها في الفاشية التي هي شكل من أشكال البارانويا المتطرفة التي تُسقط الذات الإنسانية على الطبيعة وتُلغي الطبيعة تمامًا، فالرأسمالية التقليدية تعتمد على وساطة السوق، ولذا فإن ثمة علاقة ما بين الذات والموضوع، أما الفاشية فتُسقط السوق وتحاول السيطرة الكاملة عليه بشكل مباشر من خلال ممارسة القوة غير المحدودة.
ويمكن القول بأن العقل الأداتي، بعد تبلوره، يتسم بالسمات التالية:
1 ـ ينظر العقل الأداتي إلى الواقع من منظور التماثل ولا يهتم بالخصوصية، ولذا فهو يبحث عن السمات المتماثلة في الأشياء ويهمل السمات التي تميز ظاهرة ما عن أخرى.
2 ـ العقل الأداتي قادر على إدراك الأجزاء، ولذا فهو يفتت الواقع إلى أجزاء غير مترابطة، ويفككه دون أن يستطيع إعادة تركيبه إلا من خلال نماذج اختزالية بسيطة.