ولكن هناك من يرون عكس ذلك تمامًا، فهم يرون أن حكم الخبراء التكنوقراط هو حكم أصحاب عقل أداتي لا يوجد عندهم أي التزام أخلاقي ولا أية معرفة بالكليات، وهؤلاء مستوعَبون تمامًا في النماذج الواحدية، المادية والهندسية، التي لا تعرف الثنائيات أو التركيب، وفي الترشيد الإجرائي الذي لا يعرف القيم الإنسانية أو الأخلاقية. فالتكنوقراطي إنسان متخصص في ميدان فني أو علمي معين ويعجز عن إدراك أي شيء إلا من خلال تخصصه بحيث تكون نظرته إلى الأمور دائمًا جزئية محدودة رغم ما تدعيه من دقة وانضباط. والخبير التكنوقراطي شخص عظيم الكفاءة والإنتاجية في ميدانه، ولكنه عاجز عن رؤية الصورة الكلية، ولا يخطر بباله أصلًا تغيير المجتمع، لأن التغيير الحقيقي يتطلب الرؤية الشاملة، في حين أن الإنسان التكنوقراطي شخص جامد محافظ. وهو، إلى جانب هذا، إنسان تهيمن عليه نماذج اختزالية (مادية) بسيطة، ولذا فإنه لا يمكنه أن يتعامل مع الإنسان كظاهرة مركبة متميِّزة في عالم الطبيعة/المادة، فهو قد تدرب تمامًا على التعامل مع الأشياء ومع الواقع من خلال نماذج اختزالية، وعادةً ما ينتهي الأمر بهؤلاء التكنوقراط (أولئك الذين لا يدركون أية أبعاد كلية أو نهائية) إلى أن يتحولوا إلى أداة إما في أيدي الاحتكارات والمركب العسكري الصناعي في الدول الرأسمالية أو في أيدي النخبة الحاكمة وسكرتارية الحزب في الدول التي كانت اشتراكية. والمجتمع المثالي الذي يؤسسونه مجتمع شمولي رشيد محكوم تمامًا (يوتوبيا تكنوقراطية) .
ويجب أن نربط بين التكنوقراطية واتجاهات أخرى في المجتمع الحديث مثل تزايد هيمنة النماذج البيروقراطية والكمية وظهور علوم جديدة مثل الهندسة الوراثية والاستنساخ. فهذه اتجاهات نحو مزيد من التحكم في العالم ونحو مزيد من تطبيق اكتشافات العلم والتكنولوجيا على الإنسان.
المجتمع ما بعد الصناعى