فهرس الكتاب

الصفحة 5091 من 8511

وقد بدأ انتشار القبَّالاه (خصوصًا اللوريانية) في القرن الرابع عشر. ومع منتصف القرن السابع عشر، كانت القبَّالاه مهيمنة هيمنة شبه كاملة على معظم أعضاء الجماعات اليهودية وتغلغلت بشكل عميق في العقائد اليهودية، بحيث أصبحت المراكز التلمودية منعزلة بغير فعالية، ثم أصبحت التفسيرات التلمودية نفسها ذات طابع قبَّالي. ويتضح مدى سيطرة الحلولية على العقيدة اليهودية فيما كتبه الحاخام السفاردي ديفيد نايتو (1654 ـ 1728) حاخام لندن الأكبر، حيث نشر كتابًا بعنوان في العناية الإلهية قرن فيه بين الإله والطبيعة ووحَّد بينهما، فاتهمه أحد اليهود وبعض المسيحيين بالإلحاد. وحينما عُرض الأمر على واحد من أكبر العلماء التلموديين في أمستردام (هولندا) وهو الحاخام تسفي إشكنازي، أفتى هذا الحاخام بأن الحلولية ليست مقبولة وحسب في العقيدة اليهودية، بل هي أمر اعتاده المفكرون الدينيون اليهود.

ورغم أن هرمان كوهين ذهب إلى أن الحلولية ضد الدين، فإن الكثيرين من أعلام الفكر اليهودي من كبار دعاة الحلولية، ويمكن أن نشير إلى ابن جبيرول وابن عزرا، وإسبينوزا (أبى الحلولية الحديثة) . وقد أدَّت هيمنة القبَّالاه وتصاعُد معدلاتها في اليهودية إلى تراجع اليهودية الحاخامية ومؤسساتها، وتراجع الفكر التوحيدي تمامًا، الأمر الذي سبَّب أزمة اليهودية الحاخامية إلى حد سقوط اليهودية، في نهاية الأمر، في قبضة الفكر الحلولي، فاختفى أي أثر للتجاوز. ولم يَعُد بالإمكان التمييز بين اليهود واليهودية (من منظور اليهودية نفسها) إذ أصبح اليهود تجسيدًا للمطلق، وأصبحت العلاقة بين الشعب والخالق (إن ظل قائمًا بالاسم) علاقة حوارية. وقد تصاعدت الحمى المشيحانية بين اليهود وتزايدت قابليتهم للعلمنة التي عادةً ما تأخذ شكل تأكيد قداسة الشعب وحقه المطلق في العودة لأرضه المقدَّسة، أي أن النزعة المشيحانية في اليهودية ذات تَوجُّه صهيوني واضح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت