فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 8511

ورغم أن نطاق عمليات العلمنة قد اتسع، ورغم أن الكثيرين اتضح لهم أنها تشكل في مجموعها منظومة متكاملة يمكن رؤيتها في مقدمتها وحلقات تطورها ونتائجها الإيجابية المقصودة والسلبية غير المقصودة، ورغم أن المتتالية المتحققة التي انتهت بالإمبريالية ونهب العالم والإبادة النازية والتلوث البيئي والإباحية وتآكل الأسرة وانتشار المخدرات والجريمة والإيدز والتي ظهرت بدلًا من المتتالية المثالية المُفْتَرَضة السعيدة، ورغم ثمن العلمانية الشاملة الفادح، حيث لم يعد هناك مجال للحديث عن استقلالية الحياة الخاصة، ورغم تَساقُط الثنائيات المختلفة وهو ما أدَّى إلى تهميش الفلسفة الإنسانية الهيومانية وسقوط النموذج الاشتراكي، ورغم تآكل بقايا المسيحية وتَغوُّل الدولة ووسائل الإعلام وقطاع اللذة، رغم كل هذا، فإن الإنسان الغربي لم ير الوحدة الكامنة ولم يتوصل إلى نموذج تفسيري شامل مركب متكامل لظاهرة العلمانية، واكتفى بمراجعة كثير من المصطلحات التي سكها لوصف واقعه التحديثي في ضوء ما تَكشَّف له من خلال عملية التحقق التاريخي. ولذا، فهو لم يعد يتحدث عن «الاستنارة» وحسب، وإنما أصبح يتحدث أيضًا عن «الاستنارة المظلمة» . ولم يعد يتحدث عن «العقل الخلاق» وحسب، وإنما يتحدث أيضًا عن «تآكل العقل النقدي» وعن «العقل التفكيكي» و «العقل الأداتي» الذي لا يكترث بالإنسان ولا بالمضمون الخلقي لعملية الترشيد. وهو لا يتحدث عن «مركزية الإنسان» و «الإنسانية الهيومانية» وحسب، وإنما يتحدث أيضًا عن «الإنسان ذي البُعد الواحد» و «الإنسان الشيء» وعن «استبعاد الإنسان من المركز» وعن «العداء للإنسانية (أنتي هيومانيزم anti-humanism) » . كما أنه لا يتحدث عن «التقدم» وحسب وإنما يتحدث أيضًا عن «نهاية التاريخ» و «عبثية الواقع» و «ثمن التقدم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت