فهرس الكتاب

الصفحة 415 من 8511

ولذا، فإن الشيء المقدَّس في إطار المرجعية المتجاوزة (المنظومة التوحيدية) هو دال يشير إلى المدلول المتجاوز، مع الاحتفاظ بمسافة بين الدال والمدلول، وهي مسافة لا يمكن تجاوزها بأية حال. ولكن الإنسان قد تفيض فيه القداسة بشكل جزئي وتنقص المسافة بينه وبين الخالق إن هو حوَّل المسافة التي تفصل بينه وبين الخالق إلى مجال للتفاعل معه. ويمكن إنجاز هذا إن حاول الإنسان الوصول إلى الصفاء والكمال الأخلاقيين باتباع تعاليم الإله التي أرسل بها في رسالته، ومن خلال الاستقامة والخلاص من الأدران والشوائب اللاخلقية والنزعات والميول البهيمية الغريزية (التي تدفعه نحو عالم الطبيعة/المادة، والواحدية المادية الكونية، بعيدًا عن الإله (.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم التصوف التوحيدي، فعن طريق المجاهدات النفسية والتجارب الصوفية والزهدية، وما إليها من الممارسات، تتطهر النفس البشرية من أدرانها وترقى في معارج قدسية بالمعنى المجازي، فهو تقرُّب من الخالق لا يسد المسافات وإنما يحوِّلها إلى مجال للتفاعل، ومن ثم لا يمكن أن يلتصق المتصوف بالإله أو يفنى فيه أو يتوحد معه، فالإنسان هنا ليس دالًا بلا مدلول وليس دالًا يبحث عن مدلول، وإنما هو دال محدد له مدلول إنساني محدد لا يستطيع الإنسان اختزاله أو التخلي عنه أو تجاوزه وإنما يمكنه تحقيق إمكاناته الربانية الكامنة فيه عن طريق التواصل مع الإله والتقرب منه دون إلغاء المسافة (الحيز الإنساني) التي تفصل بين الخالق والمخلوق. والشعائر علامة على الطريق الذي لا نهاية له، وليست صيغة سحرية على المؤمن تملُّك ناصيتها. وإذا حاول الإنسان أن يؤدي الشعائر، بحذر شديد ودقة بالغة، فهذا من قبيل الطاعة والرغبة في الانتماء للجماعة والتقرب من الله، تمامًا كما فعل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حينما قبَّل الحجر الأسود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت