عناصر البناء التاريخي العربي الذي يعيش فيه، تمامًا كما تحكم سلوك يهود الولايات المتحدة مكونات البناء التاريخي الغربي والأمريكي. غير أن نموذج التاريخ اليهودي، بما يفترضه من وحدة وتجانس، يجعل المؤرخ يهمل كل عناصر عدم الوحدة وعدم التجانس التي تُشكِّل الجانب الأكبر في مكوِّنات واقع أعضاء الجماعات اليهودية، وهي عناصر نتصور أنها أهم من عناصر الوحدة والتجانس، ولها قيمة تفسيرية ورصدية أعلى.
ومن المعروف أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يكونوا من صناع القرار في عصور التاريخ المختلفة، وخصوصًا في الغرب. فقد كانوا يقتربون أحيانًا من أعضاء النخبة الحاكمة ومؤسسات صنع القرار باعتبارهم جماعة وظيفية، وكانوا يبتعدون عنها أحيانًا أخرى. ولكن القرار ظل دائمًا في يد هذه النخبة. ومما له دلالته أن أول تاريخ لأعضاء الجماعات اليهودية في العصر الحديث، والذي كتبه أسحق ماركس يوسط (1793 ـ 1860) ، بدأ بالعبارة التالية: «هل يمكن أن يُكتب تاريخ مستقل للعبيد؟» . والواقع أن الردّ بالنفي إن أراد المؤرخ أن ينظر إلى تاريخ العبيد خارج الإطار السياسي والاجتماعي والحضاري للمجتمعات التي يوجدون فيها، ذلك أن تاريخ العبيد ليس تاريخًا مستقلًا بل هو جزء من تاريخ المجتمع ككل. وما يهمنا هنا هو تأكيد أن الأحداث الكبرى التي تقع للجماعات اليهودية تكمن جذورها وأسبابها في مجتمع الأغلبية. ويمكن القول بأن نموذج التاريخ اليهودي المستقل يُوجِّه رؤية المؤرخ توجيهًا خاطئًا، إذ يذهب هذا النموذج إلى أن الأحداث التاريخية الكبرى التي قررت مصير الجماعات اليهودية (كظهور الدولة الآشورية أو ظهور الإمبريالية الغربية) تقع خارج نطاق هذا التاريخ اليهودي. وتصبح هذه الأحداث، رغم مركزيتها وقدرتها التفسيرية، أحداثًًا هامشية ذات أهمية ثانوية.