فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 8511

3 ـ يجب أن ندرك أن مضمون المؤشِّر في العلوم الإنسانية مرتبط إلى حدٍّ كبير بالمعنى الداخلي الذي ينسبه الفاعل إليه ومرتبط بالدلالة الرمزية للمُعطَى المادي (وهو أمر غير متوافر وغير وارد في العلوم الطبيعية) . ولنأخذ هجرة اليهود السوفييت من الاتحاد السوفيتي كمثل. إذا لم نعرف دوافع المهاجرين للهجرة وظروف هجرتهم، فلن نتمكن من فهم اتجاه حركتهم. فإذا افترضنا ـ كما يفعل الصهاينة ـ أن الدافع للهجرة هو العودة إلى أرض الميعاد، فإن اتجاه اليهود السوفييت إلى الولايات المتحدة يبدو كما لو كان غباءً منهم. ولكننا إذا عرفنا أن دوافعهم هي الحراك الاجتماعي، لأصبحت الهجرة إلى الولايات المتحدة أمرًا منطقيًا جدًا. ويؤدي تنوع المعنى الداخلي إلى تنوع الدلالات لنفس المؤشِّر المادي، ولذا فإن ثمة مؤشِّرًا ماديًا واحدًا قد يشير إلى أكثر من مدلول أو إلى المدلول وعكسه. وقد درس الزعيم الصهيوني بن جوريون دوافع يهود الولايات المتحدة وتركيبتهم الأيديولوجية والنفسية، وخلص من هذا إلى أن صهيونية كثير من يهود أمريكا التي تتبدَّى في دفع التبرعات لإسرائيل والتظاهر من أجلها ليست تعبيرًا عن رغبتهم في العودة إلى أرض الميعاد أو تمسُّكهم بهويتهم وإنما هي محاولة لتغطية اندماجهم في المجتمع الأمريكي وإرضاءً لضمائرهم اليهودية المتعبة. فكأن المؤشِّر هنا (ادعاء الصهيونية) يشير إلى عكس مضمونه الصهيوني التقليدي (تماسك الهوية اليهودية) . ولذا، رغم أن كثيرًا من يهود أمريكا متعصبون ويعلنون صهيونيتهم بشراسة غير عادية، إلا أن المُلاحَظ أنهم لا يذهبون إلى انتخابات المؤتمر الصهيوني ويكتفون بدفع اشتراكات العضوية. ويُلاحَظ أن صهيونية يهود أمريكا تعني أنهم يهود/أمريكيون (على غرار إيطاليون/أمريكيون) أي أن إسرائيل مسقط رأسهم. ولكن مسقط الرأس هو المكان الذي يهاجر منه الإنسان لا إليه. ومرة أخرى نلاحظ أن المضمون الحقيقي لصهيونية يهود أمريكا ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت