فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 8511

ولكن أهم آثار الانتفاضة بغض النظر عن نتائجها العملية والمباشرة أنها أصابت الحلم الصهيوني في مقتل، فالمستوطن الصهيوني الذي كان يستند وجوده وإحساسه بالأمن الداخلي إلى وهم الإيمان بأن العرب ـ في نهاية المطاف ـ سيخضعون ويقبلون الأمر الواقع، قد رأى المقهورين، وهم يهبون ـ فجأة من وجهة نظره ـ ويلقون الأحجار عليه في انتفاضة اشترك فيها الجميع حرفيًا. ولذا بدلًا من الأحلام الوردية المتمركزة حول البيت الفاخر الذي توجد على أطرافه العمالة العربية الرخيصة، توجد كوابيس مظلمة يقف في وسطها طفل ممسك بحجر، ومن ثم بدأ المُستوطن الصهيوني يتساءل ـ ولأول مرة ـ لا عن الخلل الذي يمكن إصلاحه، وإنما عن شرعية وجوده نفسها، وبهذا تكون الانتفاضة قد استعادت للصراع العربي الإسرائيلي أبعاده الحقيقية، ورغم كل المحاولات الحالية الرامية لتحويل قضية الصراع العربي الإسرائيلي إلى قضية إجرائية متصلة بالممرات وفرق المطافئ وبضعة كيلو مترات، فإن اندلاع الانتفاضة يؤكد أن القضية أكثر شمولًا وعمقًا، وأن جهادنا ليس من أجل هذا الشيء أو ذلك، وإنما من أجل هوية هذه المنطقة ومن أجل قيمها ومستقبلها.

إن الانتفاضة ليست حركة عصيان مدني لتحرير فلسطين أو الشعب العربي وإنما هي نموذج متكامل ورؤية للكون يمكن استخدامها في إدارة المجتمع العربي بطريقة تفجِّر الإمكانات الثورية والإبداعية لدى الجماهير. وهذا ما فشلت فيه كل من الحركات الثورية العربية وأعضاء النخب الحاكمة. فإنجاز الانتفاضة إنجاز لنا جميعًا نحن أبناء الشعب العربي والشعوب الإسلامية، وهو طريقة للجهاد ذات فعالية عالية. ولعل عودة الانتفاضة ونشاطها بعد سكوتها، يعني أن نموذج الجهاد لا يموت، فهي قد تهدأ قليلًا لتراقب ما يحدث، لتعود حية شامخة، كالنجم الساطع في سمائنا التي لا يتلألأ فيها كثير من النجوم.

المؤشر بين النماذج الاختزالية والمركبة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت