ويمكن القول بأن دوركهايم هو إسبينوزا علم الاجتماع الذي استبعد كل المطلقات من منظومته واستبعد الغائية والهدف. وأدَّى كل هذا إلى استبعاد الإنسان ككائن حر قادر على الاختيار والفرح والحزن، وكلاهما كان يشعر بالغبطة الشديدة لإنجازه الفلسفي، ذلك أنهما لم يدركا ما في موقفهما من شمولية وإطلاق وعداء جذري للإنسان. ولعل الفارق الوحيد بين إسبينوزا ودوركهايم ينبع من واقع أن الأول كان يدور في نطاق الصورة المجازية الآلية على حين أن الثاني كان يدور في إطار صورة مجازية عضوية حيوية (ولكنها، شأنها شأن صورة المجازية الآلية، تبتلع الإنسان وتفترض أسبقية المجتمع على الفرد كما تفترض أن أفعال الإنسان إن هي إلا جزء لا يتجزأ من حركة اجتماعية تطورية كبرى) . وكلاهما يدور في إطار حلولية بدون إله أو وحدة الوجود المادية. وإذا كان إسبينوزا قد احتفظ بالإله وساوى بينه وبين الطبيعة، فإن دوركهايم ألغاه وخلع صفاته وقدراته على المجتمع. ورغم هذا الاختلاف، فإن كليهما وضع المطلق في نهاية الأمر داخل المادة، وجعل المادة (الطبيعة أو المجتمع) شيئًا مكتفيًا بذاته ومصدرًا للتماسك والحركة، فكلاهما يؤمن بأن ثمة نظامًا ضروريًا وكليًا للأشياء، نظامًا ليس فوق الطبيعة وحسب ولكنه فوق الإنسان أيضًا. وهو نظام كامن في الطبيعة عند إسبينوزا وكامن في المجتمع عند دوركهايم.