فهرس الكتاب

الصفحة 3540 من 8511

وخارجيًا (ويمكن تشبيهه بالوثبة الحيوية عند برجسون التي لها وجود موضوعي وذاتي في آن واحد) . وانطلاقًا من هذا، يكتشف دوركهايم فكرة الضمير الجمعي، فالمجتمع ـ كما أسلفنا ـ يوجد داخل الأفراد وخارجهم، ولذا فهو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبعث الرهبة والورع في نفوسهم، ويرغمهم على الخضوع لقواعد السلوك ولتقديم التضحية التي لا يمكن أن يستمر المجتمع بدونها. ولكن المجتمع ليس متعينًا بما فيه الكفاية ليصبح موضع التقديس والتبجيل، ولذا فإن شعور الفرد تجاه المجتمع يتم من خلال وساطة الضمير الجمعي الذي يتألف من التصورات والمعتقدات والرموز المقدَّسة والعواطف الشائعة والعامة بين الأفراد (الذين يشكلون غالبية أعضاء المجتمع) التي تكوِّن نسقًا خاصًا يوجد داخل الأفراد ولكنه مستقل عنهم وله قوة ذاتية مستقلة، ولهذا فإنه يمارس ضغطًا على الأفراد بحيث يُوجد بينهم تماثلًا عقليًا وعاطفيًا ويخلق لديهم وعيًا بواقعهم، فيدعم الكيان الجمعي لنفوس أولئك الأفراد. والضمير العام له وجوده الخاص المتميِّز، وهو كيان لاتاريخي إلى حدٍّ ما يدوم عبر الزمن ويعمل على توحيد الأجيال. والضمير الجمعي، في واقع الأمر، هو المجتمع وقد تحوَّل إلى صورة مجازية أساسية وقيمة حاكمة بإمكان الأفراد استبطانها. وإذا كان المجتمع هو ما يقابل الأب في الثالوث المسيحي، فإن الضمير الجمعي هو الابن المتجسد في التاريخ والذي يستطيع البشر التواصل معه لأنه الإنسان الإله. أما روح القُدُس التي تسري في كل شيء، فهي القوانين الاجتماعية التي يكتشفها كهنة الكنيسة الجديدة الذين قد لا يتحلون بالعصمة النهائية (كبابا روما) ولكنهم يتحلون بقدر من العصمة المؤقتة (التي تجعل منهم باباوات عصرهم) . وهم الذين يقيمون شعائر الدين العلمي الجديد الذي سيحقق الخلاص للإنسان الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت