هذا التناقض يضرب بجذوره في تَناقُض عميق في فكر تشومسكي. وأثناء زيارته للقاهرة عام 1994 طرحت عليه قضية العلم النازي والتجريب النازي وقضية الطبيعة، وهو مُصطلَح يستخدمه كما أسلفنا بشكل مبهم أحيانًا. سألت تشومسكي: ما الطبيعة؟ وهل هناك داخل البشر ما يُميِّزهم عن الطبيعة أم أنهم جزء لا يتجزأ منها لا يتجاوزها قط؟ وأشرت إلى بعض آرائه التي عرضت لها من قبل، ولعبارة «معجزة اللغة» على وجه التحديد وسألته ألا تعني هذه العبارة خرقًا لقوانين الطبيعة والمادة في حالة الإنسان، أو على الأقل انقطاعًا وعدم استمرار. ومضمون سؤالي كان، في واقع الأمر، عن الثنائية العميقة التي تسم رؤيته وعن التمركز حول الذات في نسقه المعرفي. ولكن تشومسكي، شأنه شأن كل الفلاسفة الغربيين العلمانيين، يحاول أن يُنكر أية ثنائية حينما يُواجَه بالتضمينات الفلسفية لنسقه المعرفي. ولذا ضاق تشومسكي ذرعًا بسؤالي وأجاب إجابة تنم عن الضيق وقال: الطبيعة هي كل ما هناك، والطبيعة لا تُردُّ إلى شيء خارجها (نيتشر إز إرديوسابل Nature is irreducible) . وقد عُدت إلى كتاباته أبحث عن إجابة أكثر تفصيلًا وإفاضة، فوجدت أن تشومسكي الذي يؤكد كمونية الأفكار يرى أنها في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إن هي إلا جزء من بيولوجيا الإنسان (شأنها في هذا شأن الجوانب الفسيولوجية التشريحية) . ولذا، لا يتردد تشومسكي في أن يصف مَلَكة اللغة (معجزة اللغة) في مُصطلَح بيولوجي مادي حتمي صرف. فاكتساب الطفل للغة لا يختلف عن تغييره أسنانه من الأسنان اللبنية إلى الأسنان الناضجة، وكالمراهق حين تتغيَّر خصائصه التشريحية. فاللغة تنمو فسيولوجيًا، تمامًا مثل أية صفات تشريحية أخرى، من تلقاء نفسها، أي أن كلمة «كامن» تصبح «فسيولوجي» أو «فيزيائي» ، والبنَى العقلية الكامنة هي بنَى فيزيائية. والكمون لا يعني في واقع الأمر سوى البرمجة البيولوجية أو التشفير (بالإنجليزية: بروجرام