في أول النهر أو غيره لم يجز ، لأن الأخذ منه ربما احتاج إلى تصرف في حافة النهر المملوك لغيره . ولو فاض ماء هذا النهر إلى أرض إنسان فهو مباح كالطائر .
الضرب الثاني: أن يكون منبع الماء مملوكًا بأن يشترك جمع في استنباط عين وإجرائها ، فإنهم يملكونها ويشتركون فيها ، وفي ساقيتها على حسب النفقة والعمل فيها .
قال الحارثي: ولو جرى من النهر الكبير في بركته أو ساقيته المتخذة في أرضه ففي المغني يكون أحق به من غيره كنقع البئر ، ويجري فيه من الخلاف ما في النقع .
قال: ( وللإمام دون غيره حمى مرعى لدواب المسلمين ما لم يضرهم ، ويجوز لمن بعده من الأئمة تغييره ، وما حماه محمد صلى الله عليه وسلم لا ينقض أبدًا ) .
ش: أما كون الإمام له أن يحمي أرضًا من الموات ترعى فيها دواب المسلمين التي يقوم بحفظها ، كخيل المجاهدين ، وإبل الصدقة وضوالي الناس ؛ فلما روى عمر رضي الله عنه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع لخيل المسلمين ) ) [1] رواه أبو عبيد .
النقيع بالنون: موضع ينتقع فيه الماء فيكثر فيه الخصب .
وروى أبو عبيد: (( أن أعرابيًا أتى عمر فقال: يا أمير المرمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها في الإسلام على ما تحمها ؟ قال: فأطرق عمر وجعل ينفخ ويفتل شاربه فلما رأى الأعرابي ما به جعل يُردد ذلك فقال عمر: المال مال الله والعباد عباد الله والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرًا في شبر ) ) [2] .
قال مالك: (( بلغني أنه كان يحمل كل عام على أربعين ألفًا من الظهر ) ) [3] .
ولأن في ذلك مصلحة ، فجاز للإمام فعلها ، كسائر المصالح ما لم يضر المسلمين ، لأن الجاهلية كانوا يحمون لأنفسهم ، فكان منهم من إذا انتجع بلدًا أقام كلبًا على نشز ثم استعواه ووقف له من كل ناحية من يسمع صوته بالعواء فحيث انتهى صوته حماه لنفسه ، ويرعى مع الناس فيما سواه ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، لما فيه من الضيق على
(1) ... أخرجه أبو عبيد في الأموال ، في أحكام الأرضين ، باب حمى الأرض ذات الكلأ ( 740 ) ص: 274 . عن ابن عمر .
(2) ... أخرجه أبو عبيد في الموضع السابق ( 742 ) ص: 275 .
(3) ... أخرجه أبو عبيد في الموضع السابق ( 743 ) .