فهرس الكتاب

الصفحة 2969 من 3224

وإن الأذفونش خرج في بعض السنين يتخلل بلاد الأندلس في جمع كبير من الفرنج، فخافه ملوك الأندلس على البلاد، وأجفل أهل القرى والرساتيق من بين يديه ولجؤوا إلى المعاقل، فكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يقول له: إن كنت مؤثرًا للجهاد فهذا أوانه، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد، فأسرع في العبور إليه، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك؛ وكان يوسف بن تاشفين على أتم أهبة، فشرع في عبور عساكره، فلما أبصر ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد، وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة، أعدوا أيضًا للخروج، فلما رأى الاذفونش اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح، فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلا الله تعالى. ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلًا ورجلًا من الفريقين، كل أناس قد التفوا على ملكهم. فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها وأمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملًا ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها، وكانت تذعر منها وتقلق، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأيٌ مصيب، كان يحدق بها معسكره، وكان يحضرها الحرب، فكانت خيل الفرنج تحجم عنها. فلما تكاملت العساكر بالجزيرة قصدت الأذفونش، وكان نازلًا بمكان أفيح من الأرض يسمى الزلاّقة بالقرب من بطليوس قال البياسي: بين المكانين أربعة فراسخ؛ وقال أيضًا: إن يوسف بن تاشفين قدم بين يدي حربه كتابًا على مقتضى السنة يعرض عليه الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية، ومن فصول كتابه: وبلغنا يا أذفونش أنك دعوت في الاجتماع بك، وتمنيت أن يكون لك فلكٌ تعبر البحر عليها إلينا، فقد أجزناه إليك، وجمع الله في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك (وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) (غافر: 50) فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه جاش بحر غيظه وزاد في ظغيانه وأقسم أنه لا يبرح من موضعه حتى يلقاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت