فهرس الكتاب

الصفحة 2944 من 3224

الإمام، وهو إذ ذاك مدرس المدرسة السيفية، فقرأت عليه من أول كتاب"الوجيز"للغزالي إلى الإقرار.

وعلى الجملة فقد خرجنا عما نحن بصدده بسبب اتصال الكلام.

وكان القاضي أبو المحاسن المذكور بيده حل الأمور وعقدها، لم يكن لأحد معه في الدولة كلام، وكان سلطانها الملك العزيز أبا المظفر محمد بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين، وهو صغر السن، تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل، وهو أتابكه ومتولي تدبير الدولة بإشارة القاضي أبي المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور.

وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة ورعاية كبيرة خصوصًا جماعة مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون في شهر رمضان على سماطه، وكنا نسمع عليه الحديث ونتردد إليه في داره فقد كانت له قبة تختص به، وهي شتوية لا يجلس في الصيف والشتاء إلا فيها، لأن الهرم كان قد أثر فيه حتى صار كفرخ الطائر من الضعف، لا يقدر على الحركة للصلاة وغيرها إلا بمشقة عظيمة؛ وكانت النزلات تعتريه في دماغه فلا يفارق تلك القبة، وفي الشتاء يكون عنده منقلٌ كبير عليه من الفحم والنار شيء كثير، ومع هذا كله فلا يزال مزكومًا وعليه الفرجية البرطاسي (1) والثياب الكثيرة، وتحته الطراحة الوثيرة فوق البسط ذوات الخمائل الثخينة، بحيث إنا كنا نجد عنده الحر والكرب، وهو لا يشعر به لكثرة استيلاء البرودة عليه من الضعف. وكان لا يخرج لصلاة الجمعة إلا في شدة القيظ، وإذا قام إلى الصلاة بعد الجهد يكاد يسقط، ولقد كنت أنظر إلى ساقيه إذا وقف للصلاة وكأنهما عودان رقيقان لا لحم عليهما. وكان عقيب صلاة الجمعة يسمع المصلون عنده الحديث عليه، وكان يعجبه ذلك. وكان حسن المحاضرة جميل المذاكرة، والأدب غالب عليه، وكان كثيرًا ما ينشد في مجالسه:

إن السلامة من ليلى وجارتها ... أن لا تمر على حال بناديها

(1) نسبة إلى برطاس شمالي بحر قزوين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت