هذا لعمري عز الدولة السحر الحلال المنقح لفظًا ومعنى، وحقه أن يفضل على شعراء عصره وغيرهم، وله في مدائح معن المذكور ومرائيه كل معنى بديع، وسيأتي شيء من ذلك في أخبار معن إن شاء الله تعالى.
وحكى ابن المعتز أيضًا (1) عن شراحيل بن معن بن زائدة أنه قال: عرضت في طريق مكة ليحيى بن خالد البرمكي، وهو في قبة، وعديله القاضي أبو يوسف الحنفي وهما يريدان الحج، قال شراحيل: فإني لأسير تحت القبة إذ عرض له رجل من بني أسد في شارة حسنة، فأنشده شعرًا، فقال له يحيى بن خالد في بيت منها: ألم أنهك عن مثل هذا البيت أيها الرجل ثم قال: يا أخا بني أسد، إذا قلت الشعر فقل كقول الذي يقول، وأنشده الأ بيات اللامية المقدم ذكرها، فقال له القاضي أبو يوسف، وقد أعجبته الأبيات جدًا: من قائل هذه البيات يا أبا الفضل فقال يحيى: يقولها مروان بن أبي حفصة يمدح بها أبا هذا الفتى الذي تحت القبة، قال شراحيل: فرمقني أبو يوسف بعينيه وأنا راكب على فرس لي عتيق وقال لي: من أنت يا فتى حياك الله تعالي وقربك قلت: أنا شراحبيل بن معن بن زائدة الشيباني، قال شراحبيل: فوالله ما أتت علي ساعة قط كانت أقر لعيني من تلك الساعة ارتياحًا وسرورًا.
ويحكى أن ولدًا لمروان بن أبي حفصة المذكور دخل على شراحبيل المذكور فأنشده:
أبا شراحيل من معن بن زائدة ... يا أكرم الناس من عجم ومن عرب
أعطي أبوك أبي مالًا فعاش به ... فأعطيني مثل نا أعطى أبوك أبي
ما حل قط أبي أرضًا أبوك بها ... إلا وأعطاه قنطارًا من الذهب فأعطاه شراحيل قنطارًا من الذهب.
ومما يقارب هذه الحكاية ما يروى عن أبي مليكة جرول بن أوس المعروف بالحطيئة الشاعر المشهور لما اعتقله عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لبذاءة
(1) لم ترد هذه القصة في الطبقات.