أولًا: صور من الجهاد في المرحلة المكية [1] :
عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشًا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهر من عداوته؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفّه أحلامنا. وشتم آبائنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كما قالوا، قال: فبينما هم كذلك، إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي، حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت، فلما أن مر بهم، غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فمر بهم الثانية، فغمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، ثم مر بهم الثالثة، فغمزوه بمثلها، فقال:"تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح"فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاه قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدًا، فوالله ما كنت جهولًا ... الحديث [وهو تحت رقم 7036 من المسند تحقيق أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح] .
ففرق شاسع , وبون واسع: بين حال النبي صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية حيث كان يُسفه أحلامهم , ويشتم آباءهم , ويعيب دينهم , ويفرق جماعتهم , ويسب آلهتهم - كما وصفه الأعداء بذلك - .. ويقول لهم في وضح النهار: (تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح) .. وبين حال من يزعم أننا الآن في المرحلة المكية من أفراخ المرجئة ومخنثيهم , الذين ألفوا الذل والخضوع , والانبطاح أمام الجموع:
ودارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم!
وأخرج الإمام أحمد وغيره عن علي رضي الله عنه قال:"انطلقت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اجلس. وصعد على منكبي فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفًا، فنزل وجلس لي نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال: اصعد على منكبي، قال: فصعدت على منكبيه قال فنهض بي قال: فإنه يخيل إليَّ أني لو شئت لنلت أفق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اقذف به"،
(1) قال الشيخ الفقيه عيسى العوشن الخالدي رحمه الله:
قالوا: فهل لك قدوة تمشي على ... آثارها من عالم أو قاري ...
قلت: النبي محمد وصحابه ... بجهادهم سادوا على الأمصار