ذكر الشيخ الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابيه"في ظلال القرآن"عند تفسير سورة النساء [2/ 714 - 715] وفي"معالم الطريق" [ص67 - 71] بعض الحِكم من عدم مشروعية القتال في المرحلة المكية , وفيما يلي إجازوها:
أ - إن الكف عن القتال في مكة ربما كان لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد , في بيئة معينة , لقوم معينين , وسط ظروف معينة, ومن أهداف التربية في مثل هذه البيئة: تربية الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم حين يقع عليه أو على من يلوذون به: ليخلص من شخصه , ويتجرد من ذاته , فلا يندفع لأول مؤثر , ولا يهتاج لأول مهيج ومن ثم يتم الاعتدال في طبيعته وحركته. ثم تربيته على أن يتبع نظام المجتمع الجديد والتقيد بأوامر القيادة الجديدة , حيث لا يتصرف إلا وفق ما تأمره - مهما يكن مخالفًا لمألوفه وعادته - وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي المسلم لإنشاء"المجتمع المسلم".
ب - وربما كان ذلك أيضًا لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش ذات العنجهية والشرف , والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه الفترة - إلى زيادة العناد ونشأة ثارات دموية جديدة كثارات العرب المعروفة أمثال داحس والغبراء وحرب البسوس , وحينئذ يتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات تنسى معها فكرته الأساسية.
ت - وربما كان ذلك أيضًا اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة داخل كل بيت , فلم تكن هنالك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين, وإنما كان ذلك موكولًا إلى أولياء كل فرد. ومعنى الإذن بالقتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت ثم يقال: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في المواسم , إن محمدًا يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد , والمولى بقتل الولي؟
ث - وربما كان ذلك أيضًا لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون المسلمين عن دينهم ويعذبونهم هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص , بل من قادته. ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟!
ج - وربما كان ذلك أيضًا لأن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى , ولا يتراجع وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة في هذه البيئة , فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة , ورأى في ذلك عارًا على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب.
ح - وربما كان ذلك أيضًا لقلة عدد المسلمين حينذاك وانحصارهم في مكة حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة , أو بلغت ولكن بصورة متناثرة , حيث كانت القبائل تقف على الحياد من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها , لترى ماذا يكون مصير الموقف. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم