…قال أصحاب المنار: ويمكن تقريب هذه الآية الإلهية من السنن المعروفة في نظام الكائنات بوجهين: أحدهما: أن الاعتقاد القوي الذي يستولي على القلب ويستحوذ على المجموع العصبي يحدث في عالم المادة من الآثار ما يكون على خلاف المعتاد. فكم من سليم اعتقد أنه مصاب بمرض كذا وليس في بدنه شيء من جراثيم هذا المرض فولد له اعتقاد تلك الجراثيم الحيّة وصار مريضًا، وكم من امرئ سقى الماء القراح أو نحوه فشربه معتقدًا أنه سم ناقع فمات مسمومًا به. والحوادث في هذا الباب كثيرة أثبتتها التجارب، وإذا اعتبرنا بها في أمر ولادة المسيح نقول: إن مريم لما بشرت بأن الله تعالى سيهب لها ولدًا بمحض قدرته، وهي على ما هي عليه من صحة الإيمان وقوة اليقين انفعل مزاجها بهذا الاعتقاد انفعالًا فعل في الرحم فعل التلقيح، كما يفعل الاعتقاد القوي في مزاج السليم فيمرض أو يموت، وفي مزاج المريض فيبرأ، وكان نفخ الروح الذي ورد في سورة أخرى متممًا لهذا التأثير" (1) ."
(1) تفسير المنار، 3/309.