أما الأول فلأنا لا نسلم أن القول بالمفهوم في غير الغالب لا في الغالب داع إلى الاضطرار المذكور في الغالب دون غيره كما قال الأصل بذلك في بيان سر الفرق بينهما ودفع ما أورده ابن عبد السلام لجواز أن يكون سر الفرق بينهما غير ذلك وهو ما مر عن عبد السلام في جوابه عما أورده من أن التقييد بالغالب لما كانت فائدته هي التأكيد لثبوت الحكم للمتصف به لأنه لغلبته على الحقيقة يفهم من النطق بلفظها أولا لم يحتج فيه إلى المفهوم ضرورة أن فائدة التأكيد فيه ظاهرة والمفهوم فائدة خفية لأن استفادته بواسطة أن التخصيص بالذكر لا بد له من فائدة وغير التخصيص بالحكم منتف فتعين التخصيص بخلاف غير الغالب فإنه لما لم يظهر للتقييد به فائدة غير التخصيص تعين فيه التخصيص ومن هنا يندفع قول إمام الحرمين أن المفهوم من مقتضيات اللفظ فلا تسقطه موافقة الغالب بل قال زكريا للشافعي رضي الله عنه في الرسالة كلام آخر يندفع به أيضا توجيه إمام الحرمين لما نفاه مخالفا للشافعي بما ذكر وحاصله أنه إذا ظهر لتخصيص المنطوق فائدة غير نفي الحكم بطريق الاحتمال إلى المفهوم فيصير الكلام مجملا حتى لا يقضي فيه بموافقة أو مخالفة ا ه فافهم
وأما الثاني فلأن ضعف دليل الشيء لا يقتضي بطلانه على أن وجوه الاستدلال على القول بإنكار المفهوم مطلقا قد ضعفت أيضا فما وجه إبطال مقابله دونه أما الوجه الأول فهو أنه لو ثبت المفهوم لثبت بدليل ولا دليل لأنه إما عقلي ولا مدخل له في مثله وإما نقلي إما متواتر فكان يجب أن لا يختلف فيه وإما آحاد وأنه لا يفيد في مثله
وأما ضعفه فيمنع اشتراط التواتر وعدم إفادة الآحاد في مثله وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام لعدم التواتر في مفرداتها وأيضا فإنا نقطع أن العلماء في الأعصار والأمصار كانوا يكتفون في فهم معاني الألفاظ بالآحاد كنقلهم عن
الأصمعي والخليل وأبي عبيد وسيبويه