فهرس الكتاب

الصفحة 1647 من 1752

قال الأصل وصححه ابن الشاط في دخول الورع والزهد في المباحات وعدم دخولها فيها خلاف وقع في أول العصر الذي أدركته يعني أوائل القرن السابع فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم وضيق بعضهم على بعض وأكثروا التشنيع فقال الأبياني في مصنفه لا يدخل الورع فيها لأن الله سوى بين طرفيها والورع مندوب إليه والندب مع التسوية متعذر وقال الشيخ بهاء الدين الحميري يدخل الورع في المباحات وما زال السلف الصالح على الزهد في المباحات ويدل على ذلك قوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وغيره من النصوص وكل من الشيخين على الحق والصواب إذ لم يتواردا على محل واحد في الكلام

والجمع بينهما أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع فيها من حيث هي مباحات وفيها الزهد والورع من حيث إن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات بل قد يوقع في المحرمات وكثرة المباحات أيضا تقضي إلى بطر النفوس فإن كثرة العبيد والخيل والخول والمساكن العلية والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها من الإعراض عن موقف العبودية وعن التضرع لعز الربوبية كما يفعل ذلك الفقراء أهل الحاجات والفاقات والضرورات وما يلزم قلوبهم من الخضوع والذلة لذي الجلال وكثرة السؤال من نواله وفضله آناء الليل وأطراف النهار لأن أنواع الضرورات تبعث على ذلك قهرا والأغنياء بعيدون عن هذه الخطة فدخول الزهد والورع في المباحات من هذه الجهة لا من جهة أنها مباحات ويدل على اعتبار الجهة الأولى فيها قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك أي من أجل أن أعطاه الله الملك فلو كان النمرود فقيرا حقيرا مبتلى بالحاجات والضرورات لم يحتد نفسه إلى منازعة إبراهيم ودعواه الإحياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت