قال الأصل وصححه ابن الشاط في دخول الورع والزهد في المباحات وعدم دخولها فيها خلاف وقع في أول العصر الذي أدركته يعني أوائل القرن السابع فادعى ذلك بعضهم ومنعه بعضهم وضيق بعضهم على بعض وأكثروا التشنيع فقال الأبياني في مصنفه لا يدخل الورع فيها لأن الله سوى بين طرفيها والورع مندوب إليه والندب مع التسوية متعذر وقال الشيخ بهاء الدين الحميري يدخل الورع في المباحات وما زال السلف الصالح على الزهد في المباحات ويدل على ذلك قوله تعالى أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا وغيره من النصوص وكل من الشيخين على الحق والصواب إذ لم يتواردا على محل واحد في الكلام
والجمع بينهما أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع فيها من حيث هي مباحات وفيها الزهد والورع من حيث إن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات بل قد يوقع في المحرمات وكثرة المباحات أيضا تقضي إلى بطر النفوس فإن كثرة العبيد والخيل والخول والمساكن العلية والمآكل الشهية والملابس اللينة لا يكاد يسلم صاحبها من الإعراض عن موقف العبودية وعن التضرع لعز الربوبية كما يفعل ذلك الفقراء أهل الحاجات والفاقات والضرورات وما يلزم قلوبهم من الخضوع والذلة لذي الجلال وكثرة السؤال من نواله وفضله آناء الليل وأطراف النهار لأن أنواع الضرورات تبعث على ذلك قهرا والأغنياء بعيدون عن هذه الخطة فدخول الزهد والورع في المباحات من هذه الجهة لا من جهة أنها مباحات ويدل على اعتبار الجهة الأولى فيها قوله تعالى كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى وقوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك أي من أجل أن أعطاه الله الملك فلو كان النمرود فقيرا حقيرا مبتلى بالحاجات والضرورات لم يحتد نفسه إلى منازعة إبراهيم ودعواه الإحياء