فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 316

من العنبر شهرًا، وأنهم تزوَّدُّوا من لحمه وشَائِقَ إلى المدينة، وأرسلوا منه إلى النبىِّ صلى الله عليه وسلم، وهو أحدُ ما يدل على أنَّ إباحة ما في البحر لا يَختصُّ بالسمك، وعلى أن ميتته حلال.

واعتُرِضَ على ذلك بأنَّ البحر ألقاه حيًا، ثم جَزَرَ عنه الماء، فمات، وهذا حلال، فإنَّ موتَه بسبب

مفارقته للماء، وهذا لا يَصِحُّ، فإنهم إنما وجدوه ميتًا بالساحل، ولم يُشاهدوه قد خرج عنه حيًَّا، ثم جَزَرَ عنه الماء.

وأيضًا: فلو كان حيًا لما ألقاه البحر إلى ساحله، فإنه من المعلوم أنَّ البحرَ إنما يقذِفُ إلى ساحله الميتَ من حيواناته لا الحىَّ منها.

وأيضًا: فلو قُدِّرَ احتمالُ ما ذكروه لم يجز أن يكون شرطًا في الإباحة، فإنه لا يُباح الشىء مع الشك في سبب إباحته، ولهذا مَنَعَ النبىُّ صلى الله عليه وسلم من أكل الصيد إذا وجده الصائِدُ غريقًا في الماء للشك في سبب موته، هل هو الآلة

أم الماء ؟

وأما العنبرُ الذى هو أحدُ أنواع الطِّيب، فهو مِن أفخر أنواعه بعد المسك، وأخطأ مَن قدَّمه على المسك، وجعله سيدَ أنواع الطِّيب، وقد ثبت عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في المِسْك:"هُوَ أطْيَبُ الطِّيب"، وسيأتى إن شاء الله تعالى ذكرُ الخصائص والمنافع التى خُصَّ بها المسكُ، حتى إنه طِيبُ الجَنَّة، والكُثبانُ التى هى مقاعدُ الصِّدِّيقين هناك مِن مِسْكٍ لا من عَنبرٍ.

والذى غَرَّ هذا القائل أنه لا يدخله التغير على طول الزمان، فهو كالذهب، وهذا لا يَدُلُّ على أنه أفضل من المسك، فإنه بهذه الخاصية الواحدة لا يُقاوِم ما في المسك من الخواص.

وبعد.. فضروبُه كثيرة، وألوانه مختلفة، فمنه الأبيضُ، والأشهبُ، والأحمرُ، والأصفرُ، والأخضرُ، والأزرقُ، والأسودُ، وذو الألوان.

وأجودُه: الأشهب، ثم الأزرق، ثم الأصفر. وأردؤه: الأسود.

وقد اختلف الناسُ في عُنصره، فقالت طائفة: هو نبات يَنبُت في قعر البحر، فيبتلِعُه بعض دوابه، فإذا ثَمِلَتْ منه قَذَفتْه رَجِيعًا، فيقذِفُه البحر إلى ساحله.

وقيل: طَلٌ ينزل من السماء في جزائر البحر، فتُلقيه الأمواج إلى الساحل.

وقيل: رَوْثُ دابة بحرية تُشبه البقرة.

وقيل: بل هو جُفَاء من جُفَاء البحر، أى: زَبَدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت