فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 316

فصل

والمقصود: أنَّ العشق لما كان مرضًا مِن الأمراض، كان قابلًا للعلاج، وله أنواع مِن العِلاج، فإن كان مما للعاشق سبيلٌ إلى وصل محبوبه شرعًا وقدْرًا، فهو علاجه، كما ثبت فى

"الصحيحين"من حديث ابن مسعود رضى الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر الشَّبَاب ؛ مَن استطاع منكم الباءةَ فلْيتزوَّج، ومَن لم يستطِعْ فعليه بالصَّوْم، فإنَّه له وِجَاءٌ". فدَل المحبَّ على علاجين: أصلىٍّ، وبدلىٍّ. وأمره بالأصلى، وهو العلاج الذى وُضع لهذا الداء، فلا ينبغى العدولُ عنه إلى غيره ما وَجد إليه سبيلًا.

وروى ابن ماجه فى"سننه"عن ابن عباس رضى الله عنهما، عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لَمْ نَرَ للمُتحابَّيْنِ مِثْلَ النِّكاح". وهذا هو المعنى الذى أشار إليه سبحانه عقيب إحلال النساء حرائرِهن وإمائهن عند الحاجة بقوله: {يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] فذكرُ تخفيفِه في هذا الموضع، وإخبارُه عن ضعف الإنسان يدل على ضعفه عن احتمال هذه الشهوة، وأنه سبحانه خفَّف عنه أمرها بما أباحه له من أطايب النساء مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، وأباح له ما شاء مما ملكتْ يمينُه، ثم أباح له أن يتزوَّج بالإماء إن احتاج إلى ذلك علاجًا لهذه الشهوة، وتخفيفًا عن هذا الخُلق الضعيف، ورحمةً به.

فصل

وإن كان لا سبيلَ للعاشق إلى وِصال معشوقه قدْرًا أو شرعًا، أو هو ممتنع عليهِ من الجهتين، وهو الداء العُضال، فمِن علاجه، إشعارُ نفسه اليأسَ منه، فإنَّ النفسَ متى يئستْ من الشىء، استراحت منه، ولم تلتفت إليه، فإن لم يَزلْ مرضُ العشق مع اليأس، فقد انحرف الطبعُ انحرافًا شديدًا، فينتقل إلى عِلاج آخرَ، وهو علاجُ عقله بأن يعلم بأنَّ تعلُّق القلب بما لا مطمع في حصوله نوعٌ من الجنون، وصاحبه بمنزلة مَن يعشق الشمس، وروحُه متعلقة بالصعود إليها والدَّوَرانِ معها في فلكها، وهذا معدودٌ عند جميع العقلاء في زُمرة المجانين.

وإن كان الوِصال متعذرًا شرعًا لا قدرًا، فعِلاجُه بأن يُنزله منزلة المتعذر قدرًا، إذ ما لم يأذن فيه الله، فعِلاجُ العبد ونجاتُه موقوف على اجتنابه، فليُشعرْ نفسَه أنه معدوم ممتنع لا سبيلَ له إليه، وأنه بمنزلة سائر المحالات، فإن لم تُجبْه النَّفْسُ الأمَّارة، فليتركْه لأحد أمرين: إما خشية، وإما فواتِ محبوب هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت