راقَتْ لي حِكاياتُ مُحَدّثِي؛ معَ أَنّنِي شاهدْتُ مثيلاتٍ لها، وأقطَعُ أنّ كثيرينَ قد رأَوْا مِنْها ما لا يُعَدُّ ولا يُحْصى؛ ممّا يدخُلُ كلُّهُ في بابِ (فَرْفَشَةِ الكَئيب) !؛ ويصلُحُ ذيلًا لكتابِ الأستاذِ القرنِيِّ (لا تَحزن) ؛ أو فَصْلًا مُتَمما لِفصُوله!.
ولا غَرابَةَ متى عَرَفْتَ أن البُعْدَ عن النهجِ السوِيِّ في الحياةِ؛ وانحِرافَ الإنسانِ عن هُدَى اللهِ سُبْحانَهُ له يَجْعَلُ في النَّفسِ رُكامًا هائلًا من التناقُضاتِ؛ واضطرابًا في الأفكارِ والمفاهيم؛ وصِراعًا لا يَنْتَهي معَ سُنَنِ الله الكونِيَّةِ وسُنَنِهِ الشرعِيَّةِ؛ فلا يَستقيمُ له حالٌ ولا يَهْدأُ له بال.
غيرَ أنّني تعلمتُ من الحياةِ درسًا عَزيزَ المَنال!؛ وهو أن أقرأَ الحِكْمَةَ في كلِّ ما يقعُ حَولي وما أراهُ مَهْما خَفِيَ وجْهُها عَنِ الآخَرينَ؛ فإنّ الحكمَةَ عادَةً لا تَكونُ إلا على هذه الشاكِلَةِ تَسْتَبْطِنُ الحوادِثَ وتَكْمُنُ في أَعْماقِها؛ فلا يَقْدِرُ عليها إلاّ أفرادٌ من الناسِ؛ ومن يُؤتَ الحِكْمَةَ فقد أوتِيَ خيرًا كثيرًا.
ومن سَعادَةِ المرْءِ اسْتِلْهامُ المواعِظِ من كلِّ ما يَقعُ حولَه؛ وإلقاءُ السمعِ لدُروسِ الحياة، وسَتَرى يا صاحِ أن (الفَرْفشَةَ) على شِدَّةِ الحاجَةِ إليها في زماننا؛ هيَ آخرُ فوائدِ هذا الدرسِ رتْبَةً وأَقَلُّهنّ شأنًا.
الواحدُ والأمّة:
والحقَّ أقولُ لك: إن ثمارَ هذه القَصص أكثرُ من أن أحيطَ بها في (حديثِ سَمر) ؛ غيرَ أنني سأتناولُ ثلاثَةً منْهنّ أراهُنّ من أحسَنِ الثمارِ وأبْهاهُنَّ مَنْظرًا:
فباكُورَةُ الثمار: أنّ بِناءَ كلِّ مُجْتَمَعٍ وأمّة إنما يتمّ بِمَجْموعِ ما فيه من المِنَحِ والمَوَاهِبِ والمَزَاياَ والعَطايا حتى تلتَقِيَ كَلُّها في مَحَلٍّ واحدٍ لِقاءَ تَوافُقٍ وتَناسُق لا لِقاءَ تَضادٍّ وتَنافر، وكلُّ خللٍ يعْرضُ لفردٍ من أَفْرادِ المُجتَمعِ فإنما يعودُ بالضرر على المَجْموع؛ وقد تقرّرَ في علم سياسَةِ الأمَمِ وبِناءِ الدول أنّ سياسةَ الأُمَّةِ مَقِيسَةٌ بِسياسَةِ الفرد، فمتى كثر في أمةٍ من الأممِ مثلُ هذه النماذجِ دَلَّ على خَلَلٍ في مَفاهيمِها؛ واضطرابٍ في تَصَوُّراتِها؛ وتَصدُّعِ في أركانِها، وسَرَى الفسادُ إلى أعضائِها شيئًا بعد شيء؛ كما يَسري المرضُ في أعضاءِ المريضِ عضْوًا بعدَ عضْو؛ فكُلَّما تمَكّنَ من عُضْوٍ أصابَهُ الشللُ والضُّمورُ حتى يَنتَهيَ بالجسدِ إلى الزوالِ والفناء.
وهذا يدلُّكَ على النهايَةِ الحتْمِيَّةِ التي تسيرُ إليها المُجْتَمَعاتُ الغَرْبِيَّةُ!؛ وإنْ حَسِبَ الناسُ غيرَ هذا؛ لأنهم لا يَزالُونَ يَرَوْنَها قائمَةً ناهِضَةً، وفاتَهمْ أنّ أعمارَ الأمَمِ لا تُقاسَ بأعْمارِ الأفْراد؛ بل مُقتَضىَ ما أشَرْتُ إليه في قاعدةِ سِياسَةِ الأمم أن كلَّ سَنَةٍ في عمرِ الفردِ يقابِلُهُ جيلٌ في عُمُرِ الأمة.
وبهذا تعلمُ أيضًا مِقدارَ الخطَرِ الذي يُحيطُ بالأمةِ المُسلمَةِ في سَرَيانِ رُوحِ التقليدِ فيها لِتِلْكَ الأُمَمِ بلا حِساب!؛ على أنّ التقليدَ سُنَّةٌ أيضًا من سُننِ الحياةِ الاجتِماعِيَّةِ كما وَضَّحَهُ ابنُ خلدونَ في المُقدِّمَةِ المَشْهورة؛ غيرَ أن منه ما ينْفعُ ومنه ما يضُرُّ؛ فافْهم.
أساسٌ في السعادة:
وبِقدْرِ ما تَبْذله أمةٌ من الأمم من الجدِّ في الحياةِ والمُثابَرَةِ في العَمَل تَنالُ من مِنَ الحُظْوَةِ والمكانَةِ بينَ الأمَمِ؛ ويَتحققُ لها من أسبابِ السعادَةِ ما قدِّرَ لها، وقد كشفتْ أبحاثٌ النقابَ عن أنّ أسعَدَ الناسِ بالحياةِ - والمرْءُ بِتَقْوَى الله يَسعد - أكثرُهم جدًّا ونشاطًا واستِغْلالًا لأوقاتِهم وإقبالًا على شُئُونِهم بِعزيمَةٍ عالِيَةٍ وهِمَّةٍ ماضية!، وسياسُةُ الأمة كما قلتُ لك تُعْتَبَرُ بِسِياسَةِ الفرد، فاعتبِرْ إذنْ أسبابَ سعادَةِ الأمةِ بأسبابِ سعادَةِ الفردِ كما نَبّهْتُكَ عليه.
ويَنْتُجُ من هذه المُقَدِّمَةِ أن الأُمَّةَ التي أُوكِلَتْ إليها مُهِمَّةُ الريادَةِ بينَ الأُمم لا يَصْلُحُ لها البَتّةَ حياةُ اللهوِ واللعب والتَّرَفِ والتعلُّقِ بِسَفْسافِ الأمورِ ومُحَقَّرِاتِ المَقاصد!؛ فإن ذلكَ نقصٌ في العقولِ وانْحِطاطٌ في الهِمم، بلْ لا يَسَعُ